أميركا… حين يتحدّث نمرود عن العدالة / بقلم الشيخ حسن حماده العاملي
11 كانون الثاني 2026
حين تتحدّث الولايات المتحدة عن العدالة والديمقراطية وحقوق الإنسان، لا بدّ للتاريخ أن يبتسم بسخريةٍ مُرّة. فكيف لمن تلطّخت يداه بدماء الشعوب، وانتهكت مؤسساته كرامة الإنسان، أن يتقمّص دور الواعظ الأخلاقي وحارس القيم الإنسانية؟
من ناغازاكي وهيروشيما، حيث أُلقي الموت الذرّي على مدنيين أبرياء باسم إنهاء الحرب، إلى فيتنام التي أُحرقت أرضها وأجيالها بالمواد السامّة، مرورًا بأفغانستان والعراق ولبنان وسوريا، لم تكن أميركا يومًا رسول سلام، بل كانت مشروع هيمنة واحتلال، لا يرى في الإنسان سوى رقم، ولا في الدول سوى ساحات نفوذ وتجارب سلاح.
وفي غوانتانامو وأبو غريب، سقط القناع نهائيًا. هناك، حيث مُورست أبشع أنواع التعذيب النفسي والجسدي، لم تكن القوانين الدولية سوى حبر على ورق، ولم تكن حقوق الإنسان إلا شعارًا يُرفع عند الحاجة ويُداس عند المصلحة. تلك السجون لم تكن استثناءً، بل كانت التعبير الأصدق عن فلسفة الهيمنة التي تحكم العقل السياسي الأميركي.
إن محاضرة أميركا في الإنسانية ليست استفزازًا فحسب، بل إدانة ذاتية. فالقيم لا تُقاس بالخطب، بل بالأفعال، ومن يبرّر القتل الجماعي، ويغذّي الحروب، ويدعم الاحتلال، ويفرض الحصار على الشعوب، لا يملك أي شرعية أخلاقية للحديث عن الحرية أو الكرامة.
الخطر الحقيقي لا يكمن في ما ارتكبته أميركا في الماضي فحسب، بل في ما تُعلنه وتُمارسه اليوم. فمشروعها لم يعد خافيًا: هيمنة شاملة، وسيطرة على القرار العالمي، ونهب منظّم لثروات الأمم، تحت عناوين براقة كالديمقراطية والنظام الدولي وحقوق الإنسان.
من هنا، فإن مسؤولية زعماء العالم، وقوى الحرية الحقيقية، ألا يكتفوا بالإدانة الخجولة أو الصمت المريب، بل أن يتوحّدوا في مواجهة هذا الطاغوت المعاصر، قبل أن تمتدّ نيرانه إلى ما تبقّى من سيادة الدول وكرامة الشعوب.
فالتاريخ لا يرحم الطغاة، ونمرود، مهما طال جبروته، يسقط حين يظنّ نفسه إلهًا، وحين ينسى أن كرامة الإنسان لا تُقهر، وأن دماء المظلومين لا تجفّ، وأن العدالة، مهما تأخّرت، لا تموت.
Sky News Lebanon
