النازحون وامتحان الضمير الوطني/ بقلم الشيخ حسن حماده العاملي

ليست الوطنية كلمةً تُقال في لحظات الحماسة، ولا شعارًا يُرفع في المناسبات والخطابات، بل هي قيمة أخلاقية عميقة تظهر حقيقتها حين يمرّ الوطن في المحن. في مثل هذه اللحظات الصعبة، يصبح النازحون امتحانًا حقيقيًا للضمير الوطني، وميزانًا صادقًا يُقاس به صدق الانتماء لهذا الوطن.

فالنازح ليس رقمًا في الإحصاءات، ولا عبئًا يُتداول في النقاشات، بل هو إنسانٌ اقتلعته الظروف من بيته وأرضه وذكرياته. هو أبٌ ترك منزله مكرهًا ليحفظ عائلته، وأمٌّ تحمل خوفها وقلقها على أطفالها، وطفلٌ فقد دفء المكان الذي كان يسمّيه بيتًا.

والحقيقة التي لا ينبغي أن تغيب عن وعينا أنّ النازحين ليسوا سبب المأساة ولا صُنّاعها، بل هم ضحاياها. فالعدوّ الذي هجّرهم من بيوتهم وقراهم هو نفسه العدوّ الذي يستهدف الوطن كلّه. إنّه العدوّ الصهيوني الذي لا يفرّق بين بيتٍ وآخر، ولا بين منطقةٍ وأخرى، بل يرى في هذا الوطن كلّه هدفًا لعدوانه. ولذلك فإنّ الوقوف إلى جانب النازحين ليس مجرّد موقفٍ إنساني فحسب، بل هو أيضًا موقفٌ وطنيّ أصيل، لأنّ من يواسيهم إنما يواجه آثار العدوان نفسه، ويؤكّد أنّ أبناء الوطن يقفون صفًا واحدًا في وجه العدوّ الذي حاول أن يفرّقهم بالألم.

وقد لمستُ، في رحلة تتبّعي لمشاهد استقبال النازحين على امتداد حدود الوطن، ترابطًا اجتماعيًا ووطنيًا وثيقًا قلّ نظيره. فقد فُتحت القلوب قبل البيوت، واندفعت الأيادي لتضمّد الجراح وتخفّف وطأة النزوح. صحيح أنّ بعض التصرّفات اللامسؤولة والخطابات الساقطة صدرت هنا وهناك من قلّةٍ غوغائية، إلا أنّها تبقى أصواتًا نشازًا لا يمكن أن تحجب عظمة التضحيات التي قدّمها المستضيفون. تلك التضحيات التي انعكست امتنانًا وصبرًا على وجوه الضيوف، رغم قسوة النزوح وعناء الطريق، ورغم ما يحمله كثير منهم من وجع الفقد واليُتم والثكل.

وهنا يبرز السؤال الأخلاقي الكبير: كيف نتعامل مع النازحين؟

إنّ الضمير الوطني الحيّ يرى في النازح أخًا في الوطن قبل أي شيء آخر، ويرى أن الوقوف إلى جانبه واجبٌ إنساني وأخلاقي قبل أن يكون عملاً اجتماعيًا أو إحسانًا عابرًا.
فالوطن الذي لا يحتضن أبناءه حين تشتدّ بهم الظروف، وطنٌ يفقد شيئًا من معناه.

إنّ استقبال النازحين، ومواساتهم، والتخفيف عنهم، وحفظ كرامتهم، ليست أعمالًا ثانوية، بل هي أسمى صور الانتماء الوطني. فالوطن الحقيقي لا يُبنى بالحجارة فقط، بل يُبنى بالرحمة والتكافل والتضامن بين أبنائه.
ومن هنا، فإن أخطر ما يمكن أن يصيب المجتمع في مثل هذه الظروف هو خطاب القسوة أو التحريض أو التنصّل من المسؤولية. فالكلمة الجارحة قد تزيد جرح النازح ألمًا، بينما الكلمة الطيبة قد تمنحه شيئًا من الطمأنينة في قلب العاصفة.

إنّ النازحين اليوم يضعون ضميرنا الوطني أمام سؤال واضح: هل نكون مجتمعًا يتقاسم الألم ويشدّ أزر بعضه بعضًا؟ أم مجتمعًا يترك أبناءه يواجهون محنتهم وحدهم؟

إنّ الوطنية الحقيقية لا تُقاس بالشعارات، بل بقدرتنا على حفظ كرامة الإنسان في أحلك الظروف. فإذا استطعنا أن نكون سندًا للنازحين، وأن نفتح لهم القلوب قبل البيوت، فإننا لا نكون قد ساعدناهم فحسب، بل نكون قد حفظنا روح الوطن ذاته.

فالنازحون ليسوا امتحانًا لظروفنا فحسب، بل هم امتحان لضمائرنا…
وفي هذا الامتحان، إمّا أن نرتقي إلى معنى الوطن، أو نفقد شيئًا من إنسانيتنا.

فهنيئًا للبنان بكم، وهنيئًا لكم به، وسيسجل التاريخ أنّ أحد أصغر بلدان العالم، بكم، كان وسيبقى أكبرها وأعظمها على الإطلاق.