*أمريكا مستعدة للتضحية بحلفائها في لبنان مقابل وقف الحرب*
كتب د. علي مدحت زعيتر
١٧ آذار ٢٠٢٣
في خضم التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة، يتكشف مجددًا حجم التناقض في السياسات الأمريكية تجاه الشرق الأوسط. فالولايات المتحدة التي لطالما قدّمت نفسها كحامٍ رئيسي لحلفائها في الخليج، ونشرت قواعدها العسكرية في معظم دوله، لم تتمكن فعليًا من تأمين حماية مطلقة لهذا الخليج الذي يُعدّ بمثابة “الثدي النفطي” الذي يغذي الهيمنة الاقتصادية والسياسية الأمريكية في العالم.
لقد أنفقت واشنطن عقودًا في بناء منظومة أمنية واسعة في المنطقة: قواعد عسكرية، أساطيل بحرية، تحالفات دفاعية، وصفقات تسليح بمئات مليارات الدولارات. ومع ذلك، أظهرت الأزمات المتتالية أن هذه المنظومة لا توفر ضمانة حقيقية لحلفائها، بل إن أمنهم يبقى خاضعًا لحسابات المصالح الأمريكية المتغيرة. فعندما تتعرض المصالح الأمريكية نفسها للضغط أو الخطر، تعيد واشنطن ترتيب أولوياتها بسرعة، حتى لو كان ذلك على حساب شركائها التقليديين.
أما لبنان، فقصته مختلفة تمامًا في الحسابات الأمريكية. هذا البلد الذي يعيش انهيارًا اقتصاديًا غير مسبوق، ولا يملك ثروات نفطية ضخمة تجعل منه هدفًا مباشرًا للطموحات الاقتصادية الأمريكية، لم يكن يومًا في صدارة أولويات واشنطن من منظور استراتيجي بحت. لذلك فإن الاهتمام الأمريكي بلبنان غالبًا ما يرتبط بعامل واحد أساسي: أمن إسرائيل.
في الواقع، يمكن قراءة جزء كبير من السياسة الأمريكية تجاه لبنان من خلال هذه الزاوية. فكل تدخل دبلوماسي أو سياسي أو حتى اقتصادي غالبًا ما يأتي في إطار محاولة ضبط التوازنات التي تمنع تحوّل لبنان إلى ساحة تهديد مباشر لإسرائيل. ولذلك تبدو السياسات الأمريكية في لبنان انتقائية، ومحدودة، ومشروطة دائمًا بهذا الاعتبار الأمني.
اليوم، ومع انشغال الولايات المتحدة بأزمات دولية متصاعدة وصراعات كبرى تهدد مصالحها المباشرة، تعود البراغماتية الأمريكية إلى الواجهة. ففي لحظات التوتر الكبرى، تميل واشنطن إلى البحث عن تسويات سريعة تخفف من الأعباء الاستراتيجية عليها، حتى لو تطلب ذلك إعادة توزيع الأوراق في ساحات إقليمية معقدة مثل لبنان.
ضمن هذا السياق، يطرح كثيرون احتمال أن تتجه الولايات المتحدة إلى صفقات غير مباشرة مع إيران لخفض مستوى التصعيد في المنطقة. فإدارة الأزمات في الشرق الأوسط كثيرًا ما مرت عبر قنوات تفاوض غير معلنة بين الطرفين، حيث تتقاطع المصالح أحيانًا في منع انفجار إقليمي واسع لا يرغب به أي منهما.
وفي حال حصلت مثل هذه التسويات، فمن المرجح أن تنعكس على ملفات عدة في المنطقة، ومن بينها لبنان. هنا قد تجد بعض القوى المحلية التي بنت رهاناتها على الدعم الأمريكي نفسها أمام واقع جديد: واشنطن قد تكون مستعدة للتضحية ببعض حلفائها مقابل وقف الحرب، إذا كان ذلك جزءًا من صفقة أوسع تهدف إلى تهدئة الجبهات الإقليمية.
هذه ليست المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك في تاريخ السياسة الدولية. فالدول الكبرى غالبًا ما تتعامل مع حلفائها كأدوات ضمن لعبة المصالح الكبرى، وليس كشركاء ثابتين في معادلة لا تتغير. وما يجري اليوم قد يكون مجرد فصل جديد من هذا المنطق الواقعي الذي يحكم العلاقات الدولية.
في النهاية، تبقى الحقيقة الأهم أن مصير الدول الصغيرة لا ينبغي أن يُبنى على رهانات خارجية متقلبة. فلبنان، كما غيره من دول المنطقة، دفع مرارًا ثمن الصراعات الدولية على أرضه. والتجارب المتكررة تثبت أن الاعتماد على القوى الكبرى لحماية الاستقرار الداخلي غالبًا ما يكون رهانًا محفوفًا بالمخاطر، لأن تلك القوى تتحرك أولًا وأخيرًا وفق مصالحها الخاصة، لا وفق مصالح الآخرين.
Sky News Lebanon
