
حصار إيران: إعادة هندسة المنطقة بالقوة وتجاوز الأعراف
بقلم: الدكتور محمد هزيمة كاتب سياسي – باحث استراتيجي – مستشار في العلاقات الدولية
لم تكن زيارة كوشنير إلى القدس المحتلة مهمةً تفاوضية، بل حمل الزائر خرائط مشروع لهدف معلن وواضح: القضاء على المقاومة وتدمير البنية التحتية المسلحة للمحور وهي رسالة أميركية حازمة، ليست لطهران وحدها، بل لعواصم القرار من بيروت الى بغداد وصنعاء، وفي هذا السياق يمكن فهم تحركات تركيا بمعزل عمّا يجري حولها، وما هو مطلوب منها….. والدور المنوط بها ضمن عملية الحصار الجديد المبني على ثلاثة محاور: اقتصادي عبر غاز شرق المتوسط أمني عبر استهداف حلفاء إيران، وسياسي يتمثل بعزل أنقرة داخل الناتو وتصويرها كعقبة وهذا
يضيّق الخناق على تركيا باعتبارها خطرًا استراتيجيًا بعيد المدى لا يمكن تركه يتنامى، وجعلها جزءًا من استهداف غير مباشر عبر الذراع الإسرائيلية تكبح جماح أردوغان وحجمه المتورّم، الذي نجح بإدارته وابتزاز الجميع على حد سواء، قبل أن يتظهّر المشهد وتطفو طموحات العثمانية المتجددة من السطح، كمشروع ينمو على صراع المشاريع وتناقضها يصيب المشروع الإسرائيلي بمقتل ويفرض نفسه قطبًا أكبر ضمن نظام تعددي شريكًا مقررًا وليس تابعًا، وهذا لا يتناسب مع الجميع يستوجب حزمًا أميركيًا يقطع طريق توسّع المشروع، الذي يريد تسخيره لخدمته حصرا ليتجاوز التعثر الذي تعانيه واشنطن على الساحة الدولية بتوالي الإخفاقات التي تعمل عليها إدارة ترامب على عدة مستويات.
أ- اقتصادي : عبر مشروع غاز شرق المتوسط والذي استبعدت منه تركيا بالكامل خلال قمة قبرص التي رسمت فيها حدود جديدة للمنطقة بغياب كلي لأنقرة بالتوازي مع تصريحات أوروبية وضعت تركيا في سلة واحدة مع روسيا والصين ضمن عقيدة جديدة.
ب- أمني: الانتقال من استهداف غزة إلى استهداف الرأس في طهران وهذا يقود الى استنتاج انه مع إعادة اندلاع الحرب تُضاف جبهة سوريا لحبهات العراق اليمن ولبنان، باعتبار دمشق ساحة نفوذ تركي مباشر.
ج- سياسي: بتحويل أنظمة المنطقة مقاولين أمنيين لتنفيذ أجندة أميركية-إسرائيلية وهذا تحديدًا وضع تركيا أمام خيارين: القبول بالدور الثانوي أو الدخول في مواجهة، ردّت عليها أنقرة بالتأجيل والبناء، تتعامل مع الصدام على أنه ليس حتميًا بل محتملًا تواجهه باستراتيجية مبنية على عدة نقاط:
أولًا: تأجيل المواجهة بقناعة لدى قادة تركيا بأن العامل الأميركي والجنون الإسرائيلي يسعيان لجرّها إلى حرب استنزاف غير جاهزة لها حاليًا ليس من باب الضعف بل ضمن عملية إدارة زمنية لحرب متداخلة
ثانيًا: تستغل أنقرة فترة الفراغ ببناء القوة الذاتية، أمام تحول كبير نقلها من دولة تستورد معظم سلاحها من إسرائيل إلى دولة تصدّر الأسلحة ما يفرض عليها تمتين جبهتها الداخلية وإنهاء عبىء الملف الكردي
ثالثًا: العمل على تبريد بؤر الاشتعال دور تلعبه أنقرة كوسيط من غزة إلى إيران بهدف استراتيجي يمنع انفجار إقليمي يفرض عليها دخول الحرب في توقيت لا يناسبها
رابعًا : دراسة سيناريو الحرب على إيران بمساراتها من حرب مباشرة أو استهداف عبر الحلفاء الذين تصفهم واشنطن بالاذرع ، أو الحرب الشاملة وما هو موقف الناتو منها فالاستعداد ليس للحرب على إيران بل بسبب إيران
لان الغرب ومعهك إسرائيل وضعا تركيا أمام خيارين بين أن تكون جزءًا من مثلث حصار محور المقاومة أو أن تكون الهدف التالي بعده ، وأنقرة ترد بصمت بالتوازي مع بناء قوتها تتابع تبريد المنطقة تتهرب من المواجهة تؤجل الصدام لتختار توقيته وفق شروطها
وأمام تبدّل المعادلة انتقل السؤال من: هل ستكون هناك حرب؟ إلى: من سيحدد مكان وزمان الحرب؟؟؟
إسرائيل تعمل عليها في سوريا ولبنان، بينما أمريكا تريدها في الخليج اما أوروبا ترغب بأن تكون شرق المتوسط خلاف رغبة تركيا وهمّها الأوحد ألّا تكون على أراضيها ولا بتوقيت إسرائيل وحلفائها وهذا يوضح لماذا عاد ملف الغاز وملف إيران إلى الواجهة معًا فهم وجهان لعملة واحدة: بهدف : إعادة هندسة المنطقة بالقوة وتجاوز كل الأعراف”
ليبقى سؤال أخير لحكومات المنطقة : هل تحولتم مقاولين أمنيين؟؟؟؟ أم أن المنطقة مقبلة على انفجار يعيد رسم كل شيء؟ وحدها الأيام تحمل الاجابة
Sky News Lebanon