الجنوب يُدفن حيًّا… فمن يملك شجاعة الاعتراف بالخيانة؟

بقلم: د. ريما شرف الدين
رئيسة تحرير Sky News Lebanon

أيّها السادة…

انظروا إلى الجنوب جيدًا.

لا تنظروا إليه من شاشاتكم، ولا من نوافذ مكاتبكم، ولا عبر بياناتكم الباردة.

انزلوا إلى ترابه.

اقتربوا من ركام بيوته.

المسوا حجارة المنازل التي كانت بالأمس مأوى لعائلات، واستمعوا إلى صمت الأحياء التي كانت تعجّ بالحياة.

فالجنوب لا يُقصف فقط… الجنوب يُمحى.

بيوتٌ تُسحق.
أحياءٌ تُجرف.
أشجارٌ تُقتلع من جذورها.
وأعمارٌ كاملة تُدفن تحت الركام.

واليوم، تصل الجرافات الإسرائيلية إلى حيث لم تصل القنابل وحدها؛ تقتلع الأرض من جذورها، وتجرّ خلفها ذاكرة الناس، وبيوتهم، وحقولهم، وأرزاقهم.

أيّ وجعٍ أكبر من أن ترى بيتك يُجرف أمام عينيك، ولا تجد دولةً تقف خلفك؟

وأيّ خذلانٍ أكبر من أن ترى أرضًا تنزف، ومسؤولين يتفرجون؟

رئيس الجمهورية يتفرج.
رئيس الحكومة يتفرج.
رئيس مجلس النواب يتفرج.

والجنوب يُدفن حيًّا.

فإلى متى؟

إلى متى يبقى المسؤول في مكتبه، فيما المواطن في الجنوب يبحث بين الركام عن صورة ابنه، أو باب بيته، أو شجرة زرعها والده؟

ألا تخجلون؟

ألا تهتز فيكم ذرة كرامة وأنتم ترون الجنوب يُجرف أمام العالم؟

إن كان العجز هو حجتكم، فاعترفوا.

وإن كان الصمت خياركم، فقولوا ذلك للناس.

وإن كنتم لا تستطيعون حماية الأرض، فأخلوا مقاعدكم لمن يستطيع.

أما المقاومة…

فلا يملك أحد حق اختصار تاريخها بكلمة، ولا محو دماء شهدائها من ذاكرة الجنوب.

لقد عرف أبناء الجنوب معنى أن يكون الاحتلال على أبواب بيوتهم، وعرفوا أيضًا معنى أن يقف رجالٌ في وجهه حين كان كثيرون يكتفون بالانتظار.

قد نختلف في السياسة، وقد نختلف حول شكل الدولة ومستقبل السلاح، لكن لا يمكن أن نكون عميانًا أمام التاريخ.

من دافع عن أرضه حين كانت مهددة، ومن قدّم أبناءه شهداء دفاعًا عنها، له حقّ أن يُذكر اسمه في تاريخ هذه الأرض.

لكن السؤال الأكبر اليوم:

أين الدولة؟

أين الدولة حين تُقتلع شجرة عمرها عشرات السنين؟

أين الدولة حين يُهدم بيتٌ قضى صاحبه عمره في بنائه؟

أين الدولة حين تُجرف أحياءٌ كاملة؟

أين الدولة حين يصبح المواطن الجنوبي وحيدًا أمام آلة الحرب؟

لا تقولوا لنا إن البيانات تكفي.

لا تقولوا لنا إن الكلمات توقف الجرافات.

ولا تطلبوا من الجنوب أن يصمت فيما أرضه تُقتلع أمام عينيه.

الجنوب لا يحتاج إلى شفقة أحد.

الجنوب يحتاج إلى دولةٍ تقف إلى جانبه.

دولةٍ تحمي مواطنيها.

دولةٍ تعرف أن السيادة ليست خطابًا، وأن الكرامة ليست صورةً خلف مكتب، وأن الوطن ليس كرسيًا يتشبث به المسؤول حتى آخر لحظة.

أنا ابنة الجنوب.

وأكتب اليوم وقلب الجنوب في يدي.

أكتب عن أمٍّ ترى بيتها يُهدم.
عن أبٍ يبحث عن أثر عمره بين الركام.
عن طفلٍ يسأل أين غرفته.
عن شهيدٍ ترك وراءه أمًّا لا تزال تنتظر صوته.

فمن سيعيد إليهم بيوتهم؟

من سيعيد للتراب أشجاره؟

من سيعيد للأمهات أبناءهن؟

ومن سيجيب الجنوب عندما يسأل:

أين كنتم حين كنا وحدنا؟

أيها المسؤولون…

إن لم تستطيعوا أن تحموا الجنوب، فلا تحموا كراسيكم.

استقيلوا.

استقيلوا جميعًا.

فالتاريخ لا يرحم.

وسيأتي يومٌ تُفتح فيه دفاتر هذه المرحلة، ولن يسأل الناس فقط: من هدم؟

بل سيسألون أيضًا:

من رأى الجنوب يُدمَّر… واختار أن يتفرّج؟

أما الجنوب…

فمهما جُرفت بيوته، ومهما اقتُلعت أشجاره، ومهما حاولوا أن يدفنوا ذاكرته تحت أطنان الركام…

سيبقى الجنوب.

لأن الجنوب ليس بيتًا يُهدم.

وليس شجرةً تُقتلع.

وليس حيًّا يُجرف.

الجنوب قضيةٌ تسكن في الدم.

والأرض التي ارتوت بدماء شهدائها…

قد تنحني تحت الركام، لكنها لا تموت.