الجنوب الذي ينزف… أمهاتٌ يدفنّ قلوبهنّ، ووطنٌ لم يتعلّم كيف يحمي أبناءه!
بقلم الدكتورة الإعلامية ريما شرف الدين
رئيسة مجلس الإدارة ورئيسة تحرير Sky News Lebanon
أنا ابنة الجنوب… ابنة الأرض التي تعلّمت معنى الصمود قبل أن تتعلّم أبجدية الحياة. ابنة القرى التي لم تكن تستيقظ دائمًا على زقزقة العصافير، بل على أصوات الطائرات والخوف، وعلى دعوات الأمهات بأن يعود أبناؤهنّ سالمين.
أنا ابنة الجنوب الذي لم يطلب يومًا المستحيل… طلب فقط أن يعيش بكرامة، أن ينام أطفاله بأمان، وأن تبقى بيوته عامرة بأهلها، لا بصور شهدائها.
ولكن أيُّ قدرٍ هذا الذي كُتب على الجنوب؟
كلّما انتهت جنازة، بدأت حكاية وجع جديدة. وكلّما جفّت دمعة أمّ، سالت دموع أمّ أخرى. وكلّما حاول بيت أن ينهض من تحت الركام، عاد الخوف ليطرق أبوابه.
يا الله… هل هناك وجعٌ أشدّ من أمٍّ تسمع اسم ابنها بين الشهداء؟
أمٌّ كانت تنتظر خطواته على الدرج، فإذا بها تنتظر جثمانه.
أمٌّ كانت تخاف عليه من برد الشتاء، فإذا بها تودّعه تحت التراب.
أمٌّ كانت تحضّر له طعامه المفضّل، فأصبحت تضع صورته أمامها وتبكي بصمت.
وأطفالٌ ينتظرون آباءهم عند الأبواب، لا يعرفون أن بعض الأبواب لن تُفتح مجددًا على الوجوه التي أحبّوها.
هؤلاء ليسوا أرقامًا في نشرات الأخبار. هؤلاء كانوا أحلامًا تمشي على الأرض، وقلوبًا تنبض بالحب، وأبناءً وأزواجًا وآباءً وأصدقاء.
وللجنوب تاريخ طويل من التضحيات، لا يمكن محوه أو اختصاره بكلمات.
لقد قدّم أبناء المقاومة تضحيات جسيمة، وترك كثيرون منهم خلفهم أمهات وزوجات وأطفالًا وعائلات تحمل ألم الفقد كل يوم. وما زالت هذه العائلات تعيش آثار الصراع، وما زال الجنوب يدفع أثمانًا باهظة من أمنه واستقراره ومستقبل أبنائه.
ومن حق اللبنانيين أن يختلفوا حول السياسة والسلاح ومستقبل الوطن، لكن ليس من حق أحد أن يستخفّ بتضحيات الناس أو أن ينسى دموع الذين فقدوا أحباءهم.
وأمام كل هذا الوجع، أسأل الدولة اللبنانية: أين مسؤوليتك تجاه الجنوب؟
أين أنتم من أمٍّ خسرت ابنها؟ من عائلة خسرت منزلها؟ من مزارعٍ فقد أرضه ومصدر رزقه؟ من طفلٍ صار يخاف صوت السماء؟
أيّ معنى للسلطة إن لم تكن حماية الناس وكرامتهم في مقدّمة واجباتها؟
وأيّ قيمة للمناصب إذا شعر المواطن بأنه تُرك وحيدًا في أصعب لحظات حياته؟
إن الفساد والتقصير وغياب المحاسبة ليست مجرد عناوين سياسية؛ إنها أزمات يدفع المواطن ثمنها من حياته ومستقبله. وحين تعجز المؤسسات عن أداء واجباتها، تصبح مساءلتها ضرورة وطنية وأخلاقية.
أنا لا أريد بيانات تعزية جديدة.
لا أريد أن أرى المزيد من الصور المعلّقة على جدران البيوت.
لا أريد أن أسمع أمًّا تقول: «يا ريتني متّ قبله».
أريد دولةً يكون الإنسان فيها أغلى من الكرسي، ودمعة الأمّ أغلى من كل المناصب، وحياة الطفل أهمّ من كل الحسابات السياسية.
يا أهل الجنوب…
كم مرّةً سنجمع ما تبقّى من بيوتنا؟ كم مرّةً سنزرع الأرض التي احترقت؟ كم مرّةً سنحاول إقناع أطفالنا بأن الغد سيكون أجمل؟
أنا ابنة الجنوب، وأعرف أن الجنوب ليس مجرد مساحة على خريطة لبنان.
الجنوب أمّي وأمّك. الجنوب بيت جدّي وجدّك. الجنوب رائحة الخبز، وصوت الجيران، وشجرة الزيتون التي شهدت على طفولتنا، والطريق الذي حفظ خطوات الذين رحلوا.
الجنوب ذاكرة لا تُهدم، وكرامة لا تُشترى، وحكاية شعب يريد الحياة.
ولكن حتى الصمود يحتاج إلى وطنٍ يحتضنه، وحتى أقوى الناس يحتاجون إلى الأمان.
إلى أمهات الشهداء، إلى زوجاتهم وأطفالهم، إلى كل عائلة فقدت عزيزًا، وإلى كل من اضطر إلى مغادرة بيته…
لا توجد كلمات تستطيع إعادة الغائبين، ولا مقال يستطيع أن يرمّم قلبًا مكسورًا.
لكن واجبنا ألّا نسمح بأن يصبح هذا الوجع خبرًا عابرًا، وألّا تتحوّل أسماء الراحلين إلى أرقام تُنسى مع مرور الأيام.
وأختم بما أتمناه من أعماق قلبي:
يا جنوب… سامحنا إن أكثرنا الكلام عن صمودك، ونسينا أن نسأل كم أتعبك هذا الصمود.
سامحنا إن مدحنا قوّتك، ولم ننتبه إلى قلبك المثقل بالفقد.
سامحنا إن قلنا لأمهاتك «اصبرن»، ولم نسأل من يمسح دموعهنّ حين يُغلق الباب ويحلّ الليل.
يا جنوب… لا أريد أن أراك قويًّا لأنك اعتدت الوجع. أريد أن أراك سعيدًا لأن الوجع انتهى.
أريد أن أرى أطفالك يركضون إلى مدارسهم لا إلى الملاجئ، وأمهاتك ينتظرن أبناءهنّ على موائد العشاء لا عند أبواب المستشفيات.
أريد أن تعود الحياة إلى بيوتك، وأن يعود الذين شرّدهم الخوف، وأن يبقى ترابك مزروعًا بالزيتون والقمح والياسمين.
فليس أعظم انتصارٍ للجنوب من أن يعيش أبناؤه بكرامة وأمان، وألّا تضطر أمٌّ أخرى إلى وداع ابنها.
بقلم الدكتورة الإعلامية ريما شرف الدين
ابنة الجنوب… التي لا تريد أن تعتاد يومًا مشهد دموع أمهاته
Sky News Lebanon