د. هشام الأعور – هل صدم الرد الإيراني إسرائيل.. ؟
شهدت المنطقة واحدة من أكثر مراحل التصعيد حساسية في تاريخ الصراع بين إيران وإسرائيل، حيث انتقل الرد الإيراني من سياسة “الصبر الإستراتيجي” والغموض والرد غير المباشر عبر الوكلاء إلى مواجهة صاروخية مباشرة. ما حدث لم يكن مجرد تصعيد عابر، بل تحول نوعي في قواعد الاشتباك والاستراتيجية العسكرية الإقليمية. فإيران، التي طالما اتُهمت بالاعتماد على أذرعها في سوريا ولبنان واليمن للرد على الهجمات الإسرائيلية، قررت هذه المرة أن ترد بصواريخ باليستية ومسيّرات من أراضيها، بشكل علني، على استهداف إسرائيل لقادتها العسكريين على أراضيها وانتهاك سيادتها الوطنية. هذا التحول لم يكن متوقعاً بهذا الشكل المكشوف، وترك أثره الواضح من خلال الضربات العسكرية الايرانية العنيفة في الداخل الإسرائيلي وعلى مستوى الحلفاء الدوليين.
رغم أن المنظومات الدفاعية الإسرائيلية، المدعومة أميركياً وبريطانياً، تمكنت من اعتراض معظم الهجوم، إلا أن مجرد تمكُّن عدد من الصواريخ من الوصول إلى أهداف داخل إسرائيل حمل رسائل صادمة من حيث حجم التحدي الأمني. إسرائيل كانت دائماً تعتمد على قوة الردع والتفوق التكنولوجي والاستخباري، لكن المشهد الأخير أظهر أن هذا التفوق قابل للاهتزاز في مواجهة إصرار إيراني مدعوم بتكتيك مفاجئ وكثافة نارية مرتفعة. القبة الحديدية، التي شكّلت رمزاً للفخر الإسرائيلي لعقد كامل، وجدت نفسها في اختبار شديد، وظهرت الحاجة إلى تطوير شامل في نظم الدفاع أمام تهديدات مركبة: صواريخ باليستية، كروز، ومسيّرات في آنٍ واحد.
من ناحية أخرى، فقد أظهر هذا التصعيد حدود التحالفات وفعالية الردع الأميركي. التنسيق العسكري بين إسرائيل وشركائها، خصوصاً الولايات المتحدة، منع كسر الهيبة الإسرائيلية إلى حد ما، لكنه لم يمنع الاختراق الإيراني النوعي، والذي يُعد نصراً معنوياً لطهران حتى وإن لم يُسفر عن خسائر كبيرة داخل إسرائيل. الرد الإيراني لم يكن يهدف إلى تدمير شامل، بل إلى كسر الخط الأحمر الذي طالما اعتقدت إسرائيل أنه لا يمكن تجاوزه، وهو تلقي هجوم مباشر من دولة بحجم إيران من دون أن تدفع الأخيرة ثمناً باهظاً فورياً.
اللافت أيضاً أن الضربة الإيرانية جاءت في وقت يشهد العالم فيه تحولات حادة في توازن القوى الدولية، مع تراجع نسبي في النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط، وتنامي الشراكات بين دول كبرى مثل روسيا والصين مع قوى إقليمية كإيران. هذا أعطى طهران جرأة أكبر على الرد، لأنها تدرك أن البيئة الدولية لم تعد مهيأة لردعها بشكل مباشر كما في السابق. كما أن اختراقات إيران في المجال السيبراني، وعملياتها الاستخباراتية التي أظهرت قدرة على إرباك الخصم الإسرائيلي، باتت تشكل معضلة حقيقية لصناع القرار في تل أبيب، حيث أن الردع لم يعد يعتمد فقط على القوة الجوية بل على صمود الجبهة الداخلية أمام موجات من الهجمات المركبة.
حديث ترامب عن “القبة الذهبية” لم يكن فقط سخرية سياسية، بل كشف عن إدراك أميركي بأن الدفاع وحده ليس كافياً، وأن الإنفاق المتزايد على الحماية لن يكون مستداماً في حال تحولت المواجهات إلى نمط متكرر. إسرائيل، التي كانت تعوّل على تفوقها النوعي، وجدت نفسها في وضع استراتيجي هش أمام خصم مصمم على إثبات وجوده في معادلة الردع، حتى إن لم تكن له رغبة في الحرب الشاملة. لذلك، يمكن القول إن ما بعد هذا التصعيد لن يشبه ما قبله، وإن المنطقة باتت على حافة معادلات جديدة سيكون لها أثر مباشر على الاستقرار الإقليمي، سواء من خلال تعزيز التحالفات أو إعادة صياغة خطط الردع والاحتواء بين القوى المتصارعة.
Sky News Lebanon