“خيال صحرا”… مصالحة مع الآخر ومرآة تعكس عبثية الحرب./ نادين خزعل.
على خشبة كازينو لبنان، وفي قاعة تتسع لـ1005 مقعد، كان الجمهور يعيش لحظات استثنائية لا تتكرر. تصفيق يتعالى، دموع تفرّ من العيون، وضحكات تحاول أن تغطي على ارتجاف القلب. بين تلك المشاعر، وُلد “خيال صحرا”، من كتابة وإخراج جورج خباز، وبطولة جورج خباز وعادل كرم.
عمل مسرحي يمتد على تسعين دقيقة لكنه يختزن عقودًا من ذاكرة الحرب، ويجعلنا نقف وجهًا لوجه أمام أنفسنا.
عادل وجورج، يشرحان دواخلنا يتوغلان إلى حقيقتنا يقولان ما لم نقله وما لم نجرؤ على قوله…يعريان خريطة لبنان من الشمال الى الجنوب مروراً ببيروت العروس التي تمزق فستان زفافها مثل سعاد وعايدة حبيبتا أبو الزوز ( عادل) وابو مطوى( جورج)..
المسرحية نبشت الجرح اللبناني المزمن: الحرب الأهلية التي لم تعد مجرد فصل في كتاب التاريخ، بل ندبة على وجه الوطن، والانقسام الداخلي الذي ما زال يعيش في النفوس أكثر مما يعيش في الجغرافيا. تقسيم طائفي ومناطقي، حدود وهمية تُرسم بالكلمات والشعارات، لكنها تعيش في العقول والقلوب، وتعيد إنتاج الكراهية حتى بعد أن تُطوى البنادق.
“خيال صحرا”، تناولت القهر والوجع والظلم والحب والفكر والانغماس والحرية والثقافة والشعر والجنس والدين بانسيابية مباحة بلا إباحية. مسرحية كشفت كل مستور وحولت كل من هو خيال صحرا إلى بطل.
جورج وعادل كانا على خشبة المسرح حالة ولادة قيصرية مستعصية، فلسفة غير متفلسفة، ووحدة متماسكة ولكن متشرذمة.
في مشاهد مشبعة بالرمزية، مزّق جورج وعادل خريطة لبنان من الشمال إلى الجنوب… الكلمات كانت سكاكين، والضحكات أحيانًا كانت دموعًا متنكرة، إذ تطرقت المسرحية إلى صداقة بين اثنين مسلحين وُلدت على خط تماس، صداقة لم توحدها طائفة ولا منطقة ولا سياسة، بل جمعتها هدنة قهوة وسكّر يتبادلانه كما يتبادل الناس الحياة.
“خيال صحرا” لم تكن مجرد حكاية حرب، بل نبشٌ في كل ما حاولنا دفنه: القهر، الوجع، الظلم، الحب، الفكر، الحرية، الدين، والجسد.
“خيال صحرا” ليست مسرحية تُشاهد ثم تُنسى. إنها مواجهة مع الذات، ومع وطن يلبس قناع الوحدة بينما قلبه ما زال مشرذمًا، يضحك أحيانًا… لكن دموعه على بعد نبضة.
“خيال صحرا” صالحتنا مع “الآخر”، وجمعتنا على وطن واحد، ولو لبرهة مسرحية. جعلتنا نكتشف أننا كلما فتشنا عن وجه لبنان، وجدناه في الآخر، لا في أنفسنا وحدنا. على الخشبة، انكشف المستور، وبان أن ما يجمعنا أكبر من كل ما فرّقنا… حتى وإن كنا نعيش وسط صحراء، فإن الخيال قادر على أن يزرع فيها واحة.
في بداية العرض، ظهر الراحل عرفات حجازي يتلو نشرة الأخبار على القناة “7”، ويتحدث عن بيان قمّة بغداد حول ضرورة وقف إطلاق النار في بيروت واعطاء هدنة مدتها 24 ساعة في انتظار ما ستؤول إليه نتائج الاتصالات مع الأطراف اللبنانية المتنازعة. كان صوت عرفات حجازي أشبه بجرس يوقظ ذاكرة الحرب، وفي الهدنة المفترضة، يتوقف المسلحان “المسيحي الذي تعمد بالميرون” و”المسلم الذي طلا منزله باللون النبيذ”، يتوقفان عن الاقتتال، ويتنقلان بنا بين أزقة مار الياس والطريق الجديدة والجميزة والمشرفية، فشعرنا أننا نسافر في حافلة تشبه بوسطة عين الرمانة، لكن هذه المرة مع وقف التنفيذ. وفي المشهد الأخير، يعود عرفات نفسه ليعلن فشل المفاوضات واستئناف التقاتل العبثي، وكأن عقارب الساعة أبت أن تتحرك إلى الأمام.
وبين اعلان الهدنة وسقوطها، تدحرجت المشاهد… من أكثر المشاهد وجعًا، قصة الرجل الذي خرج من بيته ليشتري البندورة، فلم تقطعها سكين زوجته في المطبخ، بل قطعتها رصاصات مسلح سلّمت حياته إلى آخر من حيث لا يدري. سنوات لاحقة، يقف القاتل في حفل تخرج ابنة القتيل زميلة ابنته في الجامعة، يشاهد في فيلمها لحظة مقتل أبيها، فيتعرف إلى جريمته، لكن القاتل فيه كان قد مات يوم ارتكبها، ولكن هل الموت ينهي الموت؟
“خيال صحرا” ليست مجرد عرض مسرحي، بل محاكمة مفتوحة لزمن الحرب، وكشف لمدى عبثيتها. الحرب التي أحرقت البيوت والأحلام، لم تكن انتصارًا لأحد، بل خسارة جماعية. ومع ذلك، فإن ما تفعله هذه المسرحية هو أنها تعيد إلينا شيئًا من الإيمان بأن ما يجمعنا أكبر من كل ما فرّقنا، أو على الأقل هكذا يجب أن يكون.
وفي لحظة إسدال الستارة، لم يخرج الجمهور من كازينو لبنان كما دخل. كان في العيون شيء من الحيرة، وفي القلوب شيء من الثقل، وكأن كل واحد حمل معه قطعة من خشبة المسرح ليضعها في داخله. “خيال صحرا” لم تتركنا نضحك فقط، ولم تكتفِ بأن تبكينا، بل جعلتنا نلمس جراحنا القديمة ونكتشف كم أننا ما زلنا نحملها، حتى وإن تظاهرنا بالنسيان.
خرجنا ونحن نعلم أن الحرب الأهلية ليست فصلًا مضى، بل فكرة كامنة يمكن أن تستيقظ إن نحن سمحنا لها. خرجنا ونحن ندرك أن الانقسام الذي مزّقنا ليس قدَرًا، بل خيار يمكن أن نرفضه. والأهم أننا خرجنا بفهم أعمق: أن الوطن لا يبنى بالخوف من الآخر، بل باليد الممدودة إليه.
“خيال صحرا” لم تكن مجرد مسرحية، كانت جلسة اعتراف جماعية، ودرسًا في أن السلام يبدأ من الداخل، وأن أجمل ما يمكن أن يحدث لنا، هو أن نجد في الآخر… وجهنا نحن.
“في قلب الصحراء، زرع جورج خباز وعادل كرم واحة من الحوار والمصالحة، ليقولا لنا: حتى لو كنا جميعًا “خيال صحرا”، فإننا قادرون على أن نصبح أبطالًا، إذا ما قررنا أن نكتب حكايتنا معًا… لا أن نموت فرادى في حروب عبثية بلا نهاية.
Sky News Lebanon

