زواج القاصرات – 1 – بقلم الشيخ حسن حماده العاملي

لطالما اعتقدنا أن الزواج التقليدي بات من ورائنا وأنّنا أصبحنا في زمن التطوّر والانفتاح، وأنّ ما كان يعرف بزواج القاصرات لم يكن سوى نتيجة التخلّف الذي كان سائداً إبّان الجاهلية الأولى، حيث كان الوأد مصير معظم الإناث ” وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَت ” إلى أن جاء الإسلام ليخلّصهن من براثن الجهل الذكوري الذي لا يزال -مع الأسف- يطغى على عدد كبير من العقول الرجعيّة المتخلّفة حتى يومنا هذا.

لم تكن مريم أول ضحية من ضحايا الفكر الجاهلي، ومع الأسف فلن تكون الأخيرة، في زمن تضاءلت به القيم الإنسانية ، وزادت نسبة العنوسة، وتقهقرت الرجولة الحميدة أمام الذكورية الخبيثة، حتى غدا البعض يتباهى بالدياثة، ويتفنن بالخباثة.

فتاة مراهقة لم تتجاوز الرابعة عشر من العمر تزوّجت لمجرّد أن أهلها أرادوا ذلك… وغالباً يبرر بعض الآباء قرارهم الجائر هذا بحجج واهية سمعناها من ألسنتهم، منها: “الزواج سترة البنت”، أو”عائلتي كبيرة والمصاريف ثقيلة”، أو ” أريد أن أفرح بها باكراً”، ولعل أسوء ما سمعنا هو أن “النبي (ص) تزوّج من السيدة عائشة وهي في السادسة من عمرها”.

أحمد (والد مريم) من أبناء الطبقة الفقيرة، أب لست بنات وولدين استمر في الإنجاب الى أن رزقه الله “الذكر”، فأحب أن يزيّنه بعريس ثاني يكون -بزعمه- سنداً لأخيه في المستقبل، ضارباً بعرض الحائط المصير المجهول الذي يحيكه بيديه لبناته، فها هو اليوم يرى في زواجهنّ صغيرات تخفيفاً من العبء المعيشي، متجاهلاً أنّ زواجاً كهذا من شأنه أن يؤدّي إلى مصائب أكبر وأخطر فهذا القرار برأينا كان بمثابة الحكم بالاعدام عليهن.

ما إن تقدّم رواد (زوج مريم/ 21 سنه) لخطبتها، حتى بادر أحمد لإقناع ابنته (13 سنه) قائلاً: “هذا شاب جميل صغير السن أهله أوادم”، وكأن هذه الصفات كافية لبناء بيت زوجي، ضارباً بعرض الحائط اهمية النضوج الجسدي والعقلي لكلا الزوجين، فضلاً عن الإمكانيات المعيشية اللازمة، كالوظيفة والسكن وخلافه من المستلزمات الحياتية التي لا تعدو كونها ضرورة من ضروريات بناء البيت الزوجي.

اقتنعت مريم بالزواج ظنّاً منها بأنها ستحقق حلماً تتمناه كل فتاة، لتصطدم بزواج فاشل أودى بها لأن تستجدي من المارة ثمن رغيف خبز أو مجمع حليب لابنتها الرضيعة البالغة من العمر ٢٥ يوماً.

التقيت بها منذ حوالي شهر وقد أنهك الفقر جسدها المثقل بهموم الحياة ومآسيها، لوهلة حسبت أنها تبحث عن دمية أو قطعة سكاكر تستذكر بها طفولتها المسروقة، نعم، لا يمكنك إلا أن تنظر إليها كما هي… طفلة صغيرة تحمل في يدها طفلة… وفي عينيها ألف عتب على أب همجي غير مسؤول.

لم يكن غسان (أب لسبع بنات) أرأف ببناته من أحمد فجار عليهن وزوجهن قاصرات لنفس الحجج والمبررات… والنتيجة :
– “منى” تطلّقت وتزوجت ثلاث مرات ولها أربعة أبناء غير أشقاء.
– “فاطمة” تطلّقت وتزوجت مرتين ولها ولد واحد من زوجها الأول.
– “بتول” تطلّقت وتزوجت مرتين ولها ولد من زوجها الثاني.
– “زينب” تطلّقت.
– “حياة” كانت لا تزال جديدة عهد بالزواج فتزوج عليها زوجها زوجة ثانية.
– “هند” مخطوبة لشاب سيء الخُلق والسُمعة.

وبين ذكورية “أحمد” وهمجيّة “غسّان” ينتفض “مهدي” (طفل لم يتجاوز الحادية عشر من عمره) متقلّداً أعباء الرجولة مبكراً، مرتدياً ثوب العمل الحرّ في زمن يشكو معظم الشباب فيه من البطالة.
سألته: “شو بتشتغل؟” فأجاب وهو يمسح عرقه بكمّه: “ما في شي يعيب الرجّال!!” مضيفاً: “عندي عيلتين برقبتي… أهلي وبيت عمي” لقد نزل الجواب على قلبي كالصاعقة وتساءلت في نفسي: أنّى لطفل أن يفقه معنى الرجولة صغيراً، وكيف لكفّيه الناعمتين الخشنتين أن تقتحما معركة حياة الكبار قبل أن تلهوا بألعاب الصغار؟…
وإذا بمهدي يجيبني كأنه قرأ أفكاري: “يا مولانا أنا خلقت كبير… خلقت ابن 30 سنه مش ابن يوم…”
أصيب “حسن” (والد مهدي وأخوته الخمسه) قبل ثلاث سنين بشلل نتيجة جلطة دماغية فقام أخوه “جهاد” -رغم فقره- بإعالته وعائلته الى أن أصيب الأخير بحادث سير أدى الى إصابة قدميه بكسور كبيرة خلّفت إعاقة مزمنة، ما اضطر عائلتي حسن وجهاد للإقامة في شقة واحدة للتخفيف من النفقات الشهرية الإلزامية (إيجار بيت، كهرباء، اشتراك، ماء، نت فضلاً عن مصاريف الطعام اليومية) وبما ان أباه وعمه عاجزان عن العمل بسبب الإصابة ، وبما أن أمه وزوجة عمه عاجزتان عن العمل لانشغالهما في الاهتمام بالمصابَين وتربية الأولاد لا سيّما الرضّع وتدبير شؤوون المنزل، انبرى “مهدي” متصدياً لمهمة الرجال فنزع عنه “الزيّ المدرسيّ” مرغماً واستبدله بزيّ العمل الحر والشريف، ليهجر الطفولة وألعابها في سبيل تأمين لقمة العيش الكريم لأهله وإخوانه.

مبررات عديدة وحجج كثيرة واهية لا تعدو كونها “أعذار أقبح من ذنوب” ارتكبها -بحق أبنائهم- من يفترض بهم أن يكونوا حصوناً منيعة تحصّنهم وتمنع عنهم الظلم والاضطهاد.
مبررات وحجج إن نمّت عن شيء فإنما تنمّ عن عدم الشعور بالمسؤولية الأبوية والإجتماعية الملقاة على عاتق رب الأسرة أولاً والقيّمين عليها من جد وجدة وأقارب.
وفي حين يزعم البعض أن رسول الله (ص) تزوج من السيدة عائشة وهي في سن السادسة كما في الروايات التي لا يعدو كونها من الاسرائيليات التي ألصقت في تراثنا الاسلامي وأدخلت في بعض كتب المسلمين والتي إنّما تهدف الى تشويه صورة النبي (ص) وبالتالي ضرب بنية الاسلام تمهيداً للقضاء عليه، وكيف لعقل عرف رسول الله (ص) الذي أُرسل رحمة للعالمين وليتمّم مكارم الأخلاق أن يقبل برواية زواجه (ص) من ابنة 6 سنوات -كما في صحيحي البخاري ومسلم- ثم ماذا عن قصة انفصالها -السيدة عائشة- عن جبير بن مطعم كما جاء في (المعجم الكبير للطبراني ج23 ص26) : “خطب النبي (ص) عائشة إلى أبي بكر، وكان ابو بكر قد زوجها جبير بن مطعم، فخلعها منه، فزوجها رسول الله (ص)، وهي ابنة ست سنين الخ..” فكم كان عمرها عندما خطبت او تزوجت من جبير؟؟؟ طبعاً هذا مجرّد افتراء على رسول الله (ص).
وللأهل نقول سترة البنت علمها وقوة شخصيتها ورجاحة عقلها وليس زواجها أبداً، فكم من متزوجة تعاني أشد المعاناة بسبب زواج خاطئ غير متناسق، واذا كنتم تزوجونهن للتخفيف من الأعباء والمصاريف، فإن مثل هذه الخطوة الهمجية لا شك ستنقلب سلباً عليكم حيث انها غالباً تنتهي بطلاق أو انفصال (لا مطلّقة ولا معلّقة) والنتيجة مصاريف أكبر وأعباء أثقل. وأمّا أنكم تريدون أن تفرحوا بهن باكراً فالفرحة تكون في أن تدعمهوهن لتحصيل شهادات عليا تخولكم أن تفرحوا بهن أبداً وعندها فقط تستطعن أن تخترن شركاء تبنين معهم حياة هانئة وهنا تكمن الفرحة الكبرى.