رسائل المقاومة من تشييع السيد إلى حشد أجياله: نحن هنا وسنبقى بقلم الشيخ حسن حمادة العاملي

في خضمّ التهديدات الوجوديّة التي تحاصر لبنان كالخطر الصهيوني التوسعي والاستعماري ومحاولة التأجيج لفتنة طائفيّة داخليّة فضلاً عن مخططات التقسيم الجغرافيّة والديموغرافية وإعادة رسم حدود جديدة تغير معالم المنطقة كليًّا تحت مسمى “الشرق الأوسط الجديد” الذي تسعى كل من الإدارة الأميركية المتمثلة بالرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو ومعظم الحكّام العرب إلى تمريره تحت ذريعة السلام “المزعوم”. سلام لا وجود له إلّا في مخيّلة بعض الخاضعين من ضعفاء النفوس وعلى الورق الذي أصلاً لا ولن يُلزم العدو الصهيوني ولا حتى الإداره الأمريكيّة والشواهد على ذلك كثيرة ولعلّ منها ما جرى من انتهاك لاتفاق وقف اطلاق النار في غزة أمس الثلاثاء وأدى إلى ارتقاء عدد من الغزّاويين وسقوط جرحى آخرين فضلا عما يجري في لبنان. سلام يهدف الى ضمان بقاء الكيان الغاصب بأمان واجتثاث حركات المقاومة الوطنية والقومية والشعبية.
وبما أنّ ما يقلق الكيان وينغص عيش مستوطنيه وبالتالي يهدد ديمومته وبقاءه يكمن في جنوب لبنان. ولأن سلامهم “المزعوم” لابدّ أن يمرّ عبر بوابة لبنان وذلك ليس لحجمه ودوره ولا لموقعه الجغرافي إنّما لبسالة ابنائه وشجاعتهم ورفضهم المطلق لبيع القضيّة العربيّة والإسلاميّة وطمسها مهما بلغت الأثمان.
وبعد محاولات حثيثة وعديدة لكسر قوى المقاومة والممانعة عسكرياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً ثبت المجاهدون على ربوع الوطن حاملين دماءهم على أكفّهم وأعينهم ترنو فلسطين والقضيّة… والقلب ينبض: “لبنان عصي عن التقسيم والمقاومة باقية باقية باقية”.
اغراءات كثيره قدّمتها الإدارة الأمريكيّة لحزب الله في أكثر من مناسبة ولعل آخرها ما أدلى به المبعوث الأمريكي إلى لبنان توم باراك حيث قال: “ليس المطلوب تسليم كل السلاح… المطلوب هو تسليم السلاح الذي يهدد اسرائيل فقط” وهذا الكلام له دلالات عديدة، بمعنى آخر: “اتركوا اسرائيل بأمان وافعلوا ما شئتم بلبنان”. ولما عجزت عن ثني حزب الله عن مواجة اسرائيل وأمام رفض المقاومه المطلق لأي نوع من أنواع الرضوخ والإذعان أو ما يعرف بـ “السلام والتطبيع” ولا بـ “تسليم السلاح” وفي ظل أصوات تنشز هنا وهناك تطالب الدولة اللبنانية بنزع السلاح دون وجود بديل يردع جشع العدو ويمنع اعتداءاته بل بعضهم راح لأبعد من ذلك حيث طلب من العدو الاسرائيلي نفسه ومن الأمريكي نزع السلاح بالقوّة وهو ما يضع المنطقة أمام عده سيناريوهات محتملة:
١- قيام الدولة اللبنانية بنزع السلاح عبر اجهزتها الأمنية والعسكرية وهو غير ممكن لاعتبارات عديدة.
٢- ادراج اليونيفل تحت البند السابع من ميثاق الامم المتحدة ما يتيح لها التحرّك بحرية أكثر والدخول الى مناطق معيّنة واستخدام القوة.
٣- تدخل اسرائيلي أو أمريكي وربما أميركي – اسرائيلي مباشر عبر عدوان كبير.
وهنا تجدر الاشارة الى أن كل ما سبق يحتاج إلى استنزاف المقاومه من خلال زجّها في حرب أهليّة داخليّة تضعفها وتضعف بيئتها مما يسهّل المخطّطات المرسومة.
وبما ان حزب الله يتقن بجدارة قراءة الرسائل وتوجيهها ومن باب حرصه على الوطن والمواطنين والسلم الأهلي، على عكس ما يتردد على ألسنة بعض “السّياديين” ونظراً لأهمية المرحلة ومصيريّتها كان لا بد من توجيه رسائل للداخل والخارج مفادها: نحن هنا، ما زلنا وسنبقى… فارتقاء القادة لم ولن يثنينا عن قضيتنا المشروعة بل يزيدنا قوةً وثباتاً. وعليه كان لا بد من اختيار موقعين وحدثين لتكون الرسائل واضحة وبليغة وشفّافة.
فكانت انطلاقة الرسائل من مدينة كميل شمعون الرياضية (تشييع الأمين العام لحزب الله الشهيد السيد حسن نصر الله في 23 شباط 2025) وتتويجها في نفس المكان (التجمع الحاشد والمنظم لكشافة الامام المهدي (عج) تحت مسمى “أجيال السيد” في أكبر تجمع كشفي في لبنان والعالم حيث بلغ الحشد أكثر من 74 الف كشفي وذلك في 12 تشرين الاول 2025) وما تخلّل هذين الحدثين من تجمّع في ذكرى استشهاد السيد في 27 أيلول 2025 أمام صخرة الروشة – بيروت وإضاءتها بصورة السيد حسن نصر الله مع كل من الرؤساء الاستاذ نبيه بري والشيخ رفيق الحريري والشيخ سعد الحريري.
أحداث لم تكن مجرد صدفة، بل هي تحمل في طيّاتها رسائل رمزية وسياسية وإعلامية واضحة للداخل والخارج وللخصوم والأعداء والأصدقاء.
– الأحداث الثلاثة تنقل المقاومة وجمهورها من الحزن والفقد (التشييع) إلى التعلّق والولاء والارتباط الوطني (اضاءة الصخرة) إلى القوة والنهوض والاستمرارية (الحشد الكشفي) فضلاً عن المسمّى المرتبط بالحشد “أجيال السيد” والذي يعني أن القادة قد يستشهدون، لكن المشروع مستمر، والأجيال القادمة تحمل إرثهم ونهجهم. إذ إن فكر القائد ووصاياه مغروسة في قلوب الأطفال والناشئة، وهذا يعني أن المقاومة باقية لم ولن تموت.
– إعادة إظهار صورة القوة والانضباط رغم ضخامة الحشود فبعد ما أظهر التشييع مشاعر جماهيرية عفوية ضخمة جاء تجمع الكشاف ليُظهر الوجه الآخر وهو التنظيم والانضباط والتربية الممنهجة، في رسالة تقول إن “جمهور المقاومة” ليس فقط عاطفيًا، بل منظمًا ومهيكلاً أيضًا.
– بعد موجة الشائعات والبلبلة التي رافقت “حادثة التشييع”، أراد حزب الله عبر تجمّع الكشاف أن يوجّه رسالة واضحة: وهي ان “القيادة ثابتة والتنظيم متماسك والصفوف مرصوصة ومنضبطة. وهذا يعني تبديد أي انطباع عن ضعف أو ارتباك داخل البنية التنظيمية.
– التشييع أظهر الوجه الرمزي للقائد الفرد بينما أبرز التجمع الكشفي الوجه المؤسسي للحزب أي أنه “ليس حزبًا قائمًا على شخص، بل على منظومة فكرية وتنظيمية”. ناهيك عن إظهار وحدة نموذجية بين القاعدة الشعبية والجسم التنظيمي رغم كل الظروف.
– أراد الحزب أن يبعث برسالة إلى الخارج (ولا سيما إسرائيل والغرب) تقول: حتى في لحظة الاضطراب والفراغ القيادي المحتمل، ما زلنا قادرين على التعبئة والسيطرة والتنظيم، أي أن رحيل القائد لا يعني انهيار المنظومة. والجمع بين الحدثين يوحي بأن المقاومة تُعيد تجديد نفسها عبر الأجيال. فالمشهد الكشفي، بعد مشهد التشييع، يوصل فكرة أن مشروع المقاومة بات “ثقافة شعبية” أكثر من كونه “تنظيمًا عسكريًا”. وتحديداً بعد التشييع الذي حمل طابعًا سياسيًا وعسكريًا، جاء النشاط الكشفي ليُظهر البعد الاجتماعي، التربوي، والثقافي للمقاومة أمام الرأي العام العالمي.
باختصار الحدث الأول أظهر العقيدة والولاء، والثاني أظهر التنظيم والبقاء.
عموماً أراد حزب الله من هذه الرسائل تحصين لبنان من ارتكاب أي حماقة من الخارج أو في الداخل من خلال الاعداد السليم والصحيح والقوي حفاظاً على لبنان وشعبه امتثالاً لأمر الله عز وجل “وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم” وترهبون تعني تخيفونهم لوجود قوة لديكم فلا يحاربونكم، ولهذا فإنه يجب على “السياسييّن” وتحديداً “السيادييّن” منهم أن يمعنوا في فهم رسائل الحزب لنجنّب وطننا الحبيب المزيد من النكبات التي لن تخدم الا الصهيوني ومشاريعه الخبيثة ولنترفّع عن التلهّي بالزواريب الداخلية الضيقة التي لن نجني من خلالها الا المزيد من الاحتقان والتعصب والكراهية ولنتفرّغ للمعضلات الخطيرة التي تهدد وجود الكيان اللبناني ووجودنا.