بسم الله الرحمن الرحيم
{وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}
في هذا اليوم المشبع برائحة الدم الطاهر والبطولة، نقف أمام الذكرى السنوية الأولى لشهداء بلدة الكنيسة البقاعية الأبطال، وقفةً لا تشبه سواها… وقفةَ فخرٍ وإكبارٍ أمام وجوهٍ سكنت ذاكرة الضوء، وأسماءٍ نُقشت على جبهة الكرامة، وأرواحٍ صعدت إلى السماء وهي تبتسم لأنها أدّت الأمانة وصدقت الوعد.
يا شهداءنا، يا أبناء الأرض الذين لبّيتم نداء السماء، أيّ لغةٍ تسعفنا لنوفيكم بعضًا من حقّكم؟ لقد صغرت الكلمات أمام مقامكم، وتلعثمت الحروف حين وقفت على عتبة أسمائكم، لأنّكم كتبتم بالدم ما لا يُكتب بالحبر، ونطقتم بالصمت ما تعجز عنه الخُطب.
إنّ بلدتنا اليوم تلبس ثوب الحزن الموشّح بالعزّ، فكلّ حجرٍ في أحيائها يهمس باسم شهيد، وكلّ بيتٍ فيها يحتضن حكاية بطولة، وكلّ قلبٍ نابضٍ في أبنائها يقول: “كنّا معكم وسنبقى على دربكم”.
دماؤكم لم تجفّ، بل صارت نهرًا يجري في شرايين المقاومة، يرويها صبرًا وإصرارًا، ويزرع فينا الإيمان بأنّ طريق الحقّ لا يُعبد إلا بالتضحيات.
أيّها الأحبة، لقد أراد العدوّ الصهيوني أن يروّع أهلنا، وأن يجعل من أرضنا ساحة خوفٍ وخضوع، فإذا بدماء الشهداء تحوّل الخوف إلى شجاعة، والموت إلى حياة، والجراح إلى رايات.
إنّ ما يرتكبه الكيان الصهيوني من جرائمٍ بحقّ المدنيين والأبرياء هو دليلُ إفلاسٍ أخلاقيٍّ وإنسانيٍّ، ووصمةُ عارٍ على جبين من يتغنّى بحقوق الإنسان.
لكننا نعلم، كما علم الشهداء، أنّ هذا الكيان لا يفهم إلا بلغة المقاومة، ولا يرتدع إلا بثبات المجاهدين، وأنّ دماء الشهداء هي التي تصنع ميزان الردع الحقيقي، وهي التي تُرعب عدوًّا لا يعرف إلا منطق القوة.
إنّ شهداءنا لم يرحلوا ليُذكروا يومًا ويُنسَوا غدًا، بل ارتقوا ليكونوا مناراتٍ على درب الصبر والعطاء، وعناوينَ لجيلٍ لا يساوم على الأرض ولا يبيع الكرامة.
هم اليوم في عليائهم ينظرون إلى أرضهم التي أحبّوها، وإلى أهلهم الذين بقوا أوفياء، وإلى المقاومة التي ما زالت تمضي بثقةٍ وثباتٍ نحو النصر الإلهيّ الموعود.
وإننا اليوم، في هذه المناسبة المباركة والأليمة، نُجدد العهد أمام الله وأمامكم أيها الشهداء:
أن نبقى أوفياء لمسيرتكم، وأن نصون رايتكم، وأن نحفظ وصاياكم، وأن لا نميل عن درب الحقّ مهما اشتدّ الطريق وطال الليل.
نقولها بصوتٍ واحدٍ من قلب البقاع: نحن على العهد… باقون ما بقي الليل والنهار، وما دامت فينا أنفاس الإيمان ودماء الولاء.
لن تضعف إرادتنا، ولن تنكسر عزيمتنا، لأنّ في كلّ بيتٍ من بيوتنا شهيدًا ينتظر أن يُكمل المسير، وفي كلّ قلبٍ من قلوبنا مقاومةً تتنفس عشقًا لله وللوطن.
سلامٌ على الشهداء الذين غيّروا وجه التاريخ، سلامٌ على من ارتقوا في سبيل الله، سلامٌ على من علمونا أنّ الدم طريق العزّة، وأنّ الشهادة حياةٌ أبدية.
رحم الله شهداء بلدة الكنيسة الأبرار، ورحم الله كلّ شهيدٍ سقط دفاعًا عن لبنان وفلسطين وعن إنسانيةٍ تُغتال كلّ يوم.
والحمد لله ربّ العالمين.
الشيخ حسن حماده العاملي
في الذكرى السنوية الأولى لارتقاء شهداء بلدة الكنيسة البقاعية الأبرار
Sky News Lebanon