من الضاحية إلى واشنطن: حكاية صاروخ وفضيحة دولة/الشيخ حسن حماده العاملي

من الضاحية إلى واشنطن: حكاية صاروخ وفضيحة دولة/الشيخ حسن حماده العاملي

٢٨ تشرين الثاني ٢٠٢٥

من عجائب وغرائب هذا العالم البائس، أن تطلب أميركا من لبنان إعادةَ صاروخٍ أُطلِق أصلاً لقتل أبنائه…
ثمانيةُ صواريخٍ أميركيةِ الصنع، انطلقت من طائراتٍ أميركيةِ الصنع، في ٢٣ تشرين الثاني ٢٠٢٥ — في منطقة حارة حريك في الضاحية الجنوبية لبيروت — لتستهدف شقّة سكنية داخل مبنى محاط بالناس والبيوت والطرقات، لا في جبهة قتال ولا على أطراف الحدود.

سبعة صواريخ انفجرت وأمطرت المنطقة ناراً وحديداً، أمّا الثامن الذي لم ينفجر — فهو ذاته الذي يريدون استعادته — وكأنّهم يقولون للبنانيين:
“نعتذر… هذا الصاروخ لم يُكمل مهمته في قتل المزيد، فاسمحوا لنا باسترجاعه!”

سبعة صواريخ أزهقت أرواح خمسة شهداء، وأصابت عشرات الجرحى بينهم نساء وأطفال، ما زالت أجسادهم تحمل شظايا الغدر.
وفوق الدماء… دمارٌ واسع، بيوت تهدّمت، محالّ تحطّمت، سيارات تفحّمت، وقلوب خُنقت تحت غبار الركام والدخان.

ثم يأتي من دعم المعتدي، ومن زوّده بالسلاح، ليطالب الدولة اللبنانية — بلا خجل — بأن تعيد إليه الصاروخ الذي كاد يدفن أهلها تحت الأنقاض!
كأنّ لبنان مختبَر تجارب، وكأنّ الدم اللبناني رخيص، والمواطن اللبناني مجرّد رقم، وكأنّ من يقتل يملك الحق في استرجاع أدوات القتل حين تعجز عن التفجير!

أي مهزلة هذه؟
أي عالم هذا الذي يُعامَل فيه المقتول كأنه مدين للقاتل؟

والأعجب أن الدولة نفسها التي تطالب بالصاروخ هي ذاتها التي تدّعي دعم لبنان وجيشه وسيادته، بينما نرى أسلحتها تمطرنا ناراً عبر آلة الحرب الصهيونية، بل تتبجّح علناً بدفاعها المستميت عن العدو، مانحةً إياه الغطاء السياسي والعسكري ليمضي في اعتداءاته.

أي مفارقة هذه؟
كيف يمكن لمن تُستخدم صواريخه ضدّك أن يزعم أنه “يحميك”؟
وكيف لمن يغطي الاعتداء عليك أن يقدّم نفسه كراعٍ للاستقرار؟

إنّه مشهد الازدواجية الفاضح: يطلقون الموت… ثم يطالبون باستعادته، ويدّعون الصداقة فيما تقف أفعالهم على الضفة الأخرى تماماً.

ختاماً… هل سترفع حكومتنا العتيدة كلمة “لا” في وجه الطلب الأميركي؟
أم أنّها ستذعن لما يريدون… حتى ولو كان الطلب استرجاع صاروخٍ لم يُفجّر أبناءها فحسب؟