في ظلّ الحرب وما تفرضه من نزوح وإقفال مدارس وتدمير بنى تعليمية، يأتي قرار إجراء الامتحانات الرسمية وكأنه منفصل تمامًا عن الواقع، غير آبه بحجم الكارثة ولا بعدم تكافؤ الظروف بين الطلاب.

الأكثر إثارة للجدل هو طرح تنظيم الامتحانات على 3 أو 4 دورات وفق “تصنيفات” غامضة: فئة A، فئة B… وكأن الطلاب يُفرزون بحسب جغرافيا الحرب لا وفق مبدأ تكافؤ الفرص. والسؤال البديهي: ما هو المعيار أصلًا؟ من يقرّر من هو A ومن هو B؟ هل تُقاس الجغرافيا بعدد الغارات؟ أم بعدد النازحين؟ أم بعدد الأيام التي بقي فيها الطالب على قيد الدراسة؟ في وقتٍ أصبحت فيه أولوية العائلات تأمين الحد الأدنى من العيش، حتى كرتونة الإعاشة، لا متابعة التحصيل العلمي.
وفي رميش ودبل وبقاعا وحاصبيا وشبعا، يتحوّل السؤال إلى واقع عبثي: كيف ستُجرى الامتحانات؟ ومن سيُراقب؟ ربما الحلّ “المنطقي” هو طلب قوات الطوارئ الدولية لضبط الامتحانات، لا لمنع الغش، بل لضمان وصول الطالب حيًّا إلى مقعده.
لكن قبل كل ذلك، سؤال أبسط وأكثر إيلامًا:
أين هم التلاميذ أصلًا؟
هل هم تحت الردم بعد غارة مفاجئة؟
أم في مركز إيواء يفتقد لأبسط مقومات الحياة؟
أم مشتّتون على امتداد وطنٍ مبتور، لا يجمعهم صفّ ولا مقعد؟
هل تعلمون أين هم؟ ومن هم؟
تنفقون عشرات الآلاف مع المنظمات غير الحكومية لمراعاة “خاطر” تلميذ نَبَّهَهُ معلّمه خوفًا على نفسيته،
وتتناسون الصدمة الحقيقية… الحالة النفسية الجماعية لكل طفل فقد منزله، وربما فقد فراش نومه، أمانه، وروتين حياته بالكامل.
وطبعًا… تناسيتم المعلّم.
وكأنه من صلبٍ ومُبطَّن لا يُصاب،
لا ينزح،
لا يفقد قريبًا أو أخًا أو عائلة.
وكأن المطلوب منه أن يرتمي، مهما كانت جراحه،
للمراقبة والتصحيح وإصدار النتائج،
في حين أن من يقرّر يعيش خارج هذه المعاناة،
على كوكبٍ من “الراحة” المنفصل عن واقع الناس.
فأي عدالة هذه التي تطلب من المعلّم أن يكون شاهدًا على المأساة…
وحَكَمًا في الوقت نفسه؟
أما تبرير “جيل الحرب”، فلم يعد ينطلي على أحد. فحروب اليوم أكثر دمارًا وقسوة؛ لم يعد الملجأ يحمي، بل تُرمى مئات الكيلوغرامات من المتفجرات دفعة واحدة. والضغط النفسي تضاعف، مع طلاب يتابعون لحظة بلحظة مشاهد الحرب عبر وسائل التواصل، ما يدمّر تركيزهم واستقرارهم.
رغم ذلك، يُصرّ القرار على تجاهل الواقع، وكأن المطلوب امتحان قدرة الطلاب على التحمّل لا على المعرفة.
لذلك، نطالب رئيس مجلس النواب ولجنة التربية النيابية بالتدخل الفوري لوضع حدّ لهذا النهج، لأن ما يُفرض اليوم على الطلاب والمعلّمين لا يقلّ قسوة عمّا يعيشونه تحت القصف.
فالامتحان الحقيقي ليس للطلاب… بل لمدى إنسانية وواقعية من يقرّر.