بقلم ريما شرف الدين

بين مفهوم الهدنة وخروقات الميدان: أي واقع يعيشه الجنوب؟

في ظل الحديث المتكرر عن “هدنة” تمتد لأسابيع، يبرز سؤال جوهري حول ماهية هذا المصطلح كما تعتمده الرئاسة الثالثة، ومدى انعكاسه الفعلي على الأرض، لا سيما في الجنوب اللبناني الذي لا يزال يشهد وتيرة تصعيد يومي.

وفق المقاربة السياسية لرئاسة الحكومة، تبدو “الهدنة” أقرب إلى إطار دبلوماسي مؤقت يهدف إلى خفض مستوى التوتر وفتح نافذة زمنية أمام المساعي الدولية، أكثر منها اتفاقاً ميدانياً ملزماً بوقف شامل لإطلاق النار. هي، بهذا المعنى، هدنة “سياسية” تُدار في الكواليس، وليست هدنة “عملانية” تُترجم استقراراً واضحاً على الأرض.

غير أن المشهد في الجنوب يعكس صورة مغايرة تماماً. فالخروقات المتكررة والاستهدافات المتواصلة تؤكد أن منطق الميدان لا يزال يتقدّم على أي تفاهمات نظرية. وعليه، تبدو الهدنة، في بعدها العملي، غائبة أو على الأقل غير مكتملة.

وفي هذا السياق، يبرز بُعدٌ إنساني بالغ الحساسية: عودة الأهالي إلى مناطق لا تزال تشهد توتراً يومياً قد تضعهم أمام مخاطر جدية. من هنا، تتزايد الدعوات إلى التعامل مع “الهدنة” بحذر، وعدم اعتبارها ضمانة فعلية للأمان، بانتظار مؤشرات ميدانية واضحة تؤكد توقف الأعمال العسكرية بشكل كامل.

الإشكالية الأعمق تكمن في التباين بين “لبنان السياسي” و”لبنان الميداني”. ففي حين يُفترض أن تشمل أي تهدئة كامل الأراضي اللبنانية ضمن حدودها السيادية، يظهر الجنوب وكأنه مساحة مستثناة بحكم الأمر الواقع، حيث تبقى قواعد الاشتباك مفتوحة على احتمالات التصعيد.

في الخلاصة، ما يُطرح اليوم تحت عنوان “هدنة” لا يرتقي إلى مستوى وقف إطلاق نار شامل، بل يندرج ضمن محاولة احتواء مرحلية للتوتر. أما الجنوب، فيبقى المؤشر الأصدق: فإذا لم تهدأ جبهته، تسقط عملياً كل توصيفات التهدئة، وتتحول الهدنة إلى مجرد توصيف سياسي لا يعكس حقيقة ما يجري على الأرض.