بقلم شربل كرم
أيّ امتحان هذا، سعادتك، في وطنٍ يمتحن أبناءه كل يوم؟

في زمن الحروب، تصبح الأولويات موضع سؤال. لا يعود النقاش حول موعد الامتحان أو عدد المواد أو نسب النجاح، بل حول معنى كل ذلك حين يكون الوطن نفسه معلّقاً بين الخوف والانتظار. فما أهمية الامتحان الرسمي أمام واقعٍ يعيشه طلاب ناموا على أصوات الغارات، أو حملوا ذكرياتهم في حقائب النزوح، أو فقدوا الإحساس بالأمان والاستقرار؟

يبدو المشهد أحياناً وكأن المطلوب من الطلاب أن يفصلوا بين معاناتهم الإنسانية ومسيرتهم التعليمية. وكأن من يعيش القلق اليومي قادر على التركيز والحفظ والتخطيط لمستقبله الأكاديمي بشكل طبيعي. لكن الطالب ليس آلة تسترجع المعلومات عند الطلب، بل إنسان يتأثر بما يحيط به، وحين تهتز حياته يصبح من الطبيعي أن تهتز قدرته على التعلّم.

ليست المشكلة في الامتحانات بحد ذاتها، ولا في قيمة العلم والشهادات، فالتعليم يبقى حقاً أساسياً وأحد أشكال الصمود. لكن المشكلة تكمن في تجاهل الظروف النفسية والاجتماعية التي يعيشها آلاف الطلاب. فكيف يمكن قياس أداء من عاش الخوف والنزوح وعدم اليقين بالمعايير نفسها التي تُقاس بها الأوضاع الطبيعية؟

والسؤال الأعمق يتجاوز الامتحان نفسه: ما معنى الشهادة في وطنٍ يفتقد أبناؤه الثقة بالمستقبل وفرص العمل؟ وما قيمة النجاح أو الرسوب حين يكون الهمّ الأكبر الحفاظ على البيت والأرض والأمان؟

لا أحد يدعو إلى التخلي عن التعليم، بل إلى الاعتراف بأن الإنسان يأتي قبل الامتحان، وأن الظروف الاستثنائية تحتاج إلى قرارات استثنائية. فالطلاب ليسوا أرقاماً في لوائح رسمية، بل أبناء وطن يواجهون تحديات تفوق أعمارهم وقدرتهم على الاحتمال.

إن الأوطان لا تُبنى بالشهادات وحدها، بل بالإنسان القادر على الحلم والإبداع وإعادة البناء. لذلك يبقى السؤال الحقيقي: هل نريد امتحاناً في الرياضيات والفيزياء والتاريخ فقط، أم امتحاناً لقدرتنا على فهم معاناة أبنائنا واحترام ظروفهم؟ فربما لم يعد السؤال متى سيجلس الطلاب إلى مقاعد الامتحان، بل متى سيجلس الوطن إلى طاولة المراجعة ليسأل نفسه: ماذا فعلنا بجيلٍ كان يفترض أن يحلم بالمستقبل، فإذا به ينشغل كل يوم بالنجاة من الحاضر؟