“سعادة الرئيس التربوي في الجنوب… الامتحانات تُنقل بالباصات، والبلد يُترك تحت التهديد”


“سعادة الرئيس التربوي في الجنوب… الامتحانات تُنقل بالباصات، والبلد يُترك تحت التهديد”
أين الدولة من كل ما يحصل مع طلابنا، إذا كان بعض موظفيها يتعاملون مع حجم الكارثة وكأنه مجرد ملف إداري عادي، وإذا كانت بعض مقاربتها للأزمة تختزل المأساة بترتيبات لوجستية، وكأن الواقع الأمني والإنساني مجرد تفصيل ثانوي؟
مرة جديدة يُقدَّم ملف الامتحانات الرسمية وكأنه إنجاز تنظيمي قابل للاحتفاء، عبر الحديث عن تجهيز المراكز، تأمين المراقبين، واعتماد باصات الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي لنقل الطلاب في الجنوب. لكن هذا “الإنجاز” المعلن لا يمكن فصله عن حقيقة أساسية: الطريق إلى الامتحان أصبح بحد ذاته رحلة محاطة بالمخاطر والتهديد، ما يعني أن الاستثناء الأمني بات هو القاعدة.
ومنذ أيام قليلة فقط، لم يكن المشهد أقل خطورة، حيث تم استهداف آلية عسكرية تابعة للجيش اللبناني، ما أدى إلى استشهاد عميد وعدد من العناصر. هذا الحدث بحد ذاته يكفي ليؤكد أن البلاد ليست في وضع طبيعي، وأن الحديث عن “إجراءات تنظيمية” بمعزل عن حجم المخاطر الأمنية القائمة يبقى قراءة ناقصة للواقع.
في هذا السياق، يصبح السؤال مشروعاً: كيف يمكن الحديث عن امتحان وطني عادل في ظل غياب الحد الأدنى من الاستقرار المتساوي بين جميع الطلاب؟ وكيف يمكن اختزال أزمة بهذا الحجم إلى مجرد “خطة لوجستية ناجحة”، بينما الواقع على الأرض يتجاوز بكثير حدود التنظيم الإداري؟
الامتحان في جوهره ليس مراكز تُجهّز ولا باصات تُسيّر، بل هو بيئة متكاملة من العدالة وتكافؤ الفرص. أما ما نشهده اليوم، فهو محاولة لتطبيع وضع استثنائي، وكأن الظروف الأمنية والإنسانية يمكن التعامل معها كتفصيل ثانوي ضمن جدول الاستحقاق.
الأخطر أن هذا الخطاب يعكس مقاربة تختزل المأساة في إدارة تقنية، وتتجاهل أن الطلاب يعيشون واقعاً مضطرباً بين تهديدات مستمرة، ونزوح، وتفكك في العملية التربوية، ما يجعل أي حديث عن “طبيعية الامتحانات” بعيداً عن الواقع الفعلي.
باصات الجيش قد تؤمّن وصول الطلاب إلى القاعات، لكنها لا تؤمّن الاستقرار، ولا تعيد إلى الجنوب الحد الأدنى من الأمان المطلوب لأي عملية تربوية عادلة.
قبل إعلان “إنجاز الاستعدادات”، كان الأجدر الاعتراف بأننا أمام امتحان استثنائي بكل معنى الكلمة، وأن أي معالجة لا تنطلق من معالجة أصل الأزمة الأمنية والإنسانية، تبقى معالجة شكلية لا تمس جوهر المشكلة.
الطلاب اليوم لا يخوضون امتحان شهادة فقط، بل يخوضون امتحان دولة: دولة تُقاس بقدرتها على حماية حقهم في تعليم آمن وعادل، لا فقط بقدرتها على تنظيم مراكز وباصات ومراقبين.