لبنان في مهب عاصفة الهيمنة.
الكاتب: محمد هزيمة – باحث استراتيجي

في وطنٍ صغيرٍ بحجمه، كبيرٍ بصراعاته، يقف لبنان اليوم في قلب عاصفةٍ لا تهدأ، تتنازع فيه قوى الداخل وتتشابك فوقه مشاريع الخارج، حتى باتت سيادته مكشوفة أمام رياح الهيمنة التي تعيد رسم حدوده السياسية ووظيفته التاريخية. لم يعد الصراع فيه مجرّد خلافات داخلية، بل تحوّل إلى ساحة اختبار مفتوحة لمعادلات إقليمية ودولية تتجاوز إرادة أبنائه، وتثقل حاضرهم ومستقبلهم.
ليست مبالغة، لبنان مهدد بوجوده وكيانه، فهل من يتعظ؟ ولا ننتظر أن يحاسب التاريخ سلطةً مارقةً على رعونة سياسية لعبت بمصير وطن، وكتبت نهايات تقود إلى حرب أهلية، وهذا أضعف الاحتمالات…..
“الأمر ليس سيئًا للغاية بالنسبة لنا، دعوا حكومة لبنان تُحارب حزب الله”، هذا ما قالته إسرائيل بلسان محرر الشؤون العسكرية والاستراتيجية على القناة الثالثة عشرة، وأردف قائلًا لضيفته عضو الكنيست المتطرف، رئيس لجنة الدفاع والأمن الصهيونية، الذي أجابه بلا خجل:
“هذا هو الهدف منذ البداية.”
فهل عرفت السلطة ومن يهلل لها خطورة ما اقترفت؟ وكيف باعت الوطن بدراهم الخنوع والخضوع في سوق الرق والعمالة، الذي سُمّي اتفاق الإطار؟ وهل غاب عن المدافعين المطبلين والمزمرين أن الهدف الفعلي هو تحميل الجيش اللبناني وزر مهمة نزع سلاح حزب الله؟ بقرار فيه انقلاب على الثوابت الوطنية التي حكمت لبنان، ويسقط ميثاق العيش المشترك، أساس الدستور، الذي انتُهك منذ الخطوة الأولى لتشكيل السلطة، واستُتبع تشكيل الحكومة قبل بيانها الذي تحول إلى فولكلور، ولم يكن برنامجًا سياسيًا على أساسه نالت ثقة المجلس، ضمن نظام برلماني سقطت حدود صلاحياته أمام إرادة المشروع الأميركي، وإسهام سعودي لعبت فيه عصا يزيد بن فرحان دور المطوِّع السياسي، على نواب خلعوا قناع العروبة ومزقوا ثوب الوطنية، وركبوا موجة التبعية، مولين وجوههم شطر ما يطلبه المشروع الأميركي للشرق الأوسط، وما تحتاجه حكومة نتنياهو والمتطرفون لإسرائيل الكبرى بحدودها الطورانية، من الفرات إلى النيل، ومن الأرز إلى النخيل، تولدت من حرب أرمجدون التلمودية، التي تخوض إسرائيل جولاتها من غزة، وهولوكوست مصورة ارتكبت على أرضها، كشفت حقيقة إسرائيل أمام شعوب العالم: كيان مكروه وحكومة مجرمة، رئيسها ملاحق أمام المحاكم الدولية بجرم إبادة شعب، تضاف إلى نتيجة ميدانية شكلت هزيمة استراتيجية لكيان مكشوف ومحاصر، يقاتل بعكس العقيدة التي بُني عليها جيشه، الذي سقطت أسطورته على الحدود اللبنانية، وتقهقر أمام إرادة مقاوم وصمود شعب يقاتل بصموده في معركة وجود، ينتزع الحياة من قلب الموت، ويواجه مجازر تقتل البشر والحجر بإيمان وعقيدة شكلت عقدة لداخل مسموم لا يفهم حب الحياة بكرامة.
ركب موجة أراد فرض شروطها بعد انقلاب قادته واشنطن، قلب معالم السياسة في لبنان، وشكل سلطةً مهمتها نزع ورقة القوة الوحيدة التي يمتلكها لبنان في مواجهة المشروع التوسعي الإسرائيلي والعدوان المستمر منذ الاستقلال، وهي “المقاومة”، أيديولوجيا الشهادة التي انتصرت على تكنولوجيا قتل الروح وتشويه معالم الإنسانية، التي أُفردت لها مساحة واسعة وحجم كبير من الاهتمام، تُرجم بانقلاب ناعم عبر سلطة متكاملة أطبق فيها الأميركي على القرار السياسي، وأفرغ الإرادة الوطنية من مضمونها، وغاب معها الدستور، ودُفنت الثوابت، وانتهك القانون، وتحول العمل السياسي إلى بلطجة، غايتها ربط لبنان بالمشروع الأميركي وتحويله حديقة خلفية لإسرائيل ومعبراً باتجاه العمق العربي، بأداة السلطة التي كانت خنجرًا في ظهر الوطن.
تقوم السلطة بمهمة قذرة تستنسخ فيها دور ميليشيا لحد، وهذا توصيف إسرائيلي بلسان إيدي كوهين، تصدر الإعلام الإسرائيلي: “حكومة لبنان تقوم بدور جيش لحد، بفارق أنها منتخبة.”
ولم تقف حدود أهداف إسرائيل عند تغيير ميداني على الجبهة، بل توسعت لتدخل قلب المجتمع بوقاحة، تصدرت عناوين الصحف، ومنها “هآرتس”، التي نقلت عن قادة الكيان أن ما يعنيهم فعليًا: “لبنانيون يقاتلون لبنانيين، وإسرائيل تراقب من وراء الحدود…”
بلا مجاملة، نجحت إسرائيل في تهيئة الظروف لحرب أهلية سوّقتها واشنطن على أنها سلام، في ظل تشكيك قادة إسرائيل بقدرة الحكومة اللبنانية على القيام بمهمة مواجهة بيئة المقاومة، وهذه مشكلة بنظر الأميركي قبل الإسرائيلي، عمل الأميركي على معالجتها وفق الإطار وبملحق “أمني خاص” يؤمن دعم الحكومة في محاربة حزب الله، لتكون قوية بما يكفي لتوصيل بيئة المقاومة إلى حال الانهيار.
وبذلك تكون أميركا وإسرائيل قد سجلتا نجاحًا مطلقًا على إيران من الجبهة اللبنانية، بدلًا من فشل الحرب على إيران، ونجاحها في فرض معادلة استراتيجية أجبرت ترامب على التماهي معها والخضوع لشروطها على حساب نتنياهو، الذي أعاد الاعتبار لنفسه من نافذة الإطار، وهو المستفيد الأول منه، يصرفه في مواجهة أزماته الداخلية ويشكل له طوق نجاة يدعم حملته الانتخابية، إذ أصبحت بنود الإطار برنامجًا لحملته الانتخابية، وتقطع طريق الضغوط القضائية.
بدأ كلامه للمستوطنين الصهاينة بجملة دغدغت مشاعرهم:
“حاول الإيرانيون إخراجنا من جنوب لبنان بكل الوسائل، لكن أشكر حكومة لبنان على الاتفاق الذي يُبقينا في المنطقة الصفراء، وهي مناطق حيوية لنا.”
وبذلك يكون نتنياهو قد نجح مع الحكومة اللبنانية في تأمين إطار جامع انتقل من مرحلة تقاطع المصالح إلى تكامل الأهداف، على حساب الوطن والدستور والميثاق والقانون والثوابت والهوية، وأدخل لبنان منزلقًا هدد وجوده بربطه بالمشروع الأميركي مباشرة، خارج الإجماع العربي ومبادرة بيروت، ومعادلة السلام الموهوم وسراب حل الدولتين، التي دفنها نتنياهو، مستميتًا لتغيير معادلة استراتيجية فرضتها نتائج الحرب، وكرستها طاولة إسلام آباد التي غيرت معالم القوى وبدلت ديمغرافيا التوازنات الدولية.
أصبحت إسرائيل خارج نادي الدولة الأقوى في الشرق الأوسط، وقُلب المشروع الأميركي الذي تعثر، وتكسرت أمواجه أمام جبال إيران، وجغرافيا سياسية تحكمها مصالح الأسواق العالمية، وفي قلبها مضيق هرمز شريان حياة بيد إيران، حيث تقع الجبهة اللبنانية كنموذج لوطن قوي بمقاومته، ضمن حدود جيوسياسية تبدأ بمضيق هرمز وتمر بباب المندب وتصل إلى البحر المتوسط، الوجهة الجديدة لاستثمارات الطاقة.
له بعد يربط السياسة بالاقتصاد والأمن، هيأت له واشنطن كامل الظروف بحكومات وظيفتها الحراسة على حساب السيادة، فلبنان لا يمارس سيادة كاملة كدولة، بل تقوم السلطة بوظيفة أمنية لإسرائيل، تضبط الحدود الجنوبية وتعمل كإدارة أمن أو حاجز وليس كدولة سيادة، فتتحول من دولة تخدم مواطنيها إلى “سلطة تراقب الحدود” ضمن مهمة تحفظ وجودها.
وهذا لن ينجح على حساب معادلات إقليمية ودولية، فلبنان بند رئيسي فيها، تحميه قوة قادرة وإرادة في حرب وجود، سقط فيها الاستقرار أولًا، وسقط معه اتفاق الطائف بسقوط الميثاق، ما يقود إلى معركة أسقطت الحدود الجغرافية، حيث تقع حدود لبنان بين مضيق هرمز وباب المندب وقلب العراق، ضمن معادلة فرضتها توازنات جيوسياسية ونظام عالمي تعددي على أنقاض أحادية القطب الأميركية، معادلة أصبح فيها ترامب عبئًا سياسيًا، وبدأت مرحلة تدوير الأطر السياسية التي أوجدها الأميركي وانتهت صلاحيتها.