بقلم الشيخ حسام العلي
رئيس جمعية الإصلاح والإنماء الإجتماعي في لبنان

إن من أعظم ما ابتليت به أمتنا في هذا العصر أنها تستنزف في معارك الماضي، بينما تحاصر في حاضرها، وتهدد في مستقبلها.

ففي كل حين تتجدد نقاشات حادة حول مسائل تاريخية، وفي مقدمتها الخلاف في أحقية الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أصبحت هذه القضايا تطرح على المنابر ووسائل الإعلام ومواقع التواصل، في زمن تتعرض فيه الأمة لأخطر مراحل الاستهداف والتمزيق.

إننا لا ندعو إلى إلغاء التاريخ، ولا إلى مصادرة حق أحد في اعتقاد ما يراه حقاّ، فهذه مسائل لكل مدرسة فيها أدلتها واجتهادها، ولكننا ندعو إلى فقه يضع الأمور في مواضعها، ويقدم الواجبات على المستحبات، ويقدم المصالح العامة على أسباب الفرقة والخصومة.

إن السياسة الشرعية لا تقوم على إثارة ما يزيد الأمة انقساماً ، وإنما تقوم على جمع الكلمة، وحفظ الصف، ودفع الفتنة، ورعاية المصالح العليا للأمة، فليس من الحكمة أن ننشغل بما فرق المسلمين عبر القرون، بينما أعداؤهم يعملون على تمزيق حاضرهم ومستقبلهم، واحتلال أرضهم، واستباحة مقدساتهم، وإذكاء الفتن بينهم.

إن الأمة اليوم ليست بحاجة إلى من يذكرها بخلافات الأمس بقدر حاجتها إلى من يجمعها على مسؤوليات اليوم وليست بحاجة إلى خطاب يؤجج العواطف ويستحضر الخصومات، وإنما إلى خطاب يوقظ الوعي، ويؤسس للتعاون، ويعلي قيمة الأخوة الإسلامية، ويحفظ كرامة المسلمين جميعاً.

إننا نؤمن أن الثبات على المبادئ لا يتعارض مع الوحدة، وأن التمسك بالمعتقد لا يعني الاعتداء على معتقد الآخرين، وأن الحوار الهادئ خير من الخصومة، وأن الحكمة تقتضي أن نختار من الكلام ما يصلح ولا يفسد، وما يجمع ولا يفرق، وما يبني ولا يهدم.

ومن هنا فإننا نجدد دعوتنا إلى الاعتصام بحبل الله تعالى، امتثالاً لقوله سبحانه: “واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا”، صدق الله العظيم.

وإلى ترسيخ الأخوة الإسلامية الصادقة، وإلى نبذ الفتنة بكل أشكالها وصورها، فإن الفتنة إذا اشتعلت لم تميز بين أحد، وكان الخاسر فيها الجميع.

إن مشروعنا ليس مشروع جدل تاريخي، بل مشروع نهضة ووحدة وإصلاح، مشروع يحفظ الثوابت، ويراعي الضوابط، ويقدم فقه الأولويات، ويجعل قضية الأمة الكبرى فوق كل خلاف، لأن الأوطان تبنى بالوحدة، والأمة تقوى بالاعتصام، ورسالة الإسلام جاءت رحمة وهداية وجمعاً للكلمة، لا سبباً للفرقة والاقتتال.

نسأل الله تعالى أن يؤلف بين قلوب المسلمين، وأن يصلح ذات بينهم، وأن يجعلنا من الداعين إلى الوحدة، والعاملين للإصلاح، والمتمسكين بكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وأن يجنب أمتنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، إنه ولي ذلك والقادر عليه.