إن لم تستحِ… فافعل ما شئت! / د. مصطفى ركين.

ليس أخطر ما في لبنان أن يختلف السياسيون؛ فالاختلاف من طبيعة السياسة.
وليس أخطر ما فيه تعدد المصالح والحسابات؛ فتلك أيضاً من طبائع الحكم.

لكن الأخطر أن يصبح بعض أهل السلطة مقتنعين بأن اللبناني بلا ذاكرة، وأن دماء الشهداء بلا أصحاب، وأن العدالة يمكن أن تُجزّأ، وأن الدولة يمكن أن تُدار *بمئة مكيال، لا بمكيالين فقط!*

وما جرى في مجلس النواب خلال اليومين الماضيين، في ملف العفو العام، ليس مجرد خلاف عابر بين رئيس حكومة ووزير دفاع، بل إنه مشهد يختصر أزمة أعمق: *أي دولة نريد؟ ومن يحكم باسمها؟ ولمن تكون العدالة؟*

قد يقول رئيس الحكومة إن موقف الحكومة يجب أن يكون واحداً، وإن رئيسها هو من يتحدث باسمها.

*حسناً…*

لكن السؤال البسيط الذي يستحق جواباً واضحاً:

*لماذا لا يُسمع رأي وزير الدفاع في قانون يمسّ المؤسسة العسكرية وملفات مرتبطة برجالها وتضحياتهم؟*

هل الاستماع إلى رأي الجيش يهدد الحكومة؟
هل سماع الوزير كان سيعطل التشريع؟

أم أن المشكلة أن هناك رأياً لا يرغب البعض في أن يصل إلى مسامع النواب واللبنانيين؟

الدستور يُحسم بالنصوص، أما الحكمة فتُقاس بالقدرة على الاستماع.
والدولة القوية لا تخاف من سماع رأي مؤسساتها.

*من أعطى أحداً حق الوصاية على اللبنانيين؟*

المشكلة لا تتعلق بشخص رئيس الحكومة وحده، بل بعقلية سياسية تتكرر بأشكال مختلفة:

*أنا أعرف مصلحة اللبنانيين، أنا أحدد ما هو الصواب، وأنا أتكلم باسم الجميع.*

لا يا سادة…

لبنان ليس ملكاً لرئيس الحكومة، ولا لرئيس المجلس، ولا لرئيس الجمهورية، ولا لوزير أو نائب أو حزب أو طائفة.

*لبنان ملك أبنائه جميعاً*

ومن يتولى موقعاً دستورياً لا يحصل معه على وكالة عن ضمير الشعب، ولا على حصانة من النقد والمساءلة.
والمشكلة أن لبنان لم يعد يعاني من «الكيل بمكيالين»
لقد أصبح لكل ملف مكياله، ولكل حليف مكياله، ولكل طائفة مكيال، ولكل ظرف سياسي مكيال، وربما لكل عاصمة خارجية مكيال!

*فأين المكيال الواحد الذي اسمه الدولة؟*

*العفو ليس مرادفاً للعدالة*

العفو العام قد يكون ضرورة وطنية عندما يهدف إلى معالجة مظالم حقيقية وإغلاق ملفات سياسية عالقة وفتح طريق للمصالحة.
لكن العفو ليس كلمة سحرية تمحو الفوارق بين المظلوم والظالم، وبين الخطأ والجريمة، وبين الموقوف السياسي ومن ارتكب جريمة جسيمة.
ولا يجوز أن يتحول العفو إلى *سوق سياسية للمقايضة*، فيُعفى هذا لأن وراءه قوة سياسية، ويُستثنى ذاك لأن توقيت ملفه غير مناسب.
إن كان هناك من يستحق العفو، فليكن ذلك وفق معايير قانونية واضحة.
أما الجرائم الخطيرة، والقتل، والإرهاب، وتجارة المخدرات، والعمالة، وكل ما يثبت أمام القضاء من جرائم جسيمة، فلا يجوز أن تصبح أوراقاً على طاولة التسويات.

*الجريمة لا تصبح أقل بشاعة لأنها تحولت إلى مادة في قانون*

ولا يجوز أن يصبح الشهيد رقماً في جدول، والضحية هامشاً في نص، وحق العائلة مجرد تفصيل أمام حسابات السياسيين…

*ماذا عن الشهداء؟*

الشهداء ليسوا صوراً تُرفع في المناسبات، ولا أسماء تُكتب على النصب التذكارية، ولا مادة انتخابية..

*الشهداء أمانة*

والأم التي فقدت ابنها لا تعنيها توازنات الكتل النيابية.
والأب الذي دفن ابنه لا تعنيه صفقات السياسيين.
والطفل الذي كبر يتيماً لا يفهم لغة التسويات.
هؤلاء يريدون شيئاً واحداً:

*أن تقول الدولة إن حياة أبنائها لها قيمة*

فإذا أصبحت دماء الشهداء قابلة للمقايضة السياسية، فما الذي بقي من معنى الدولة؟

*الجيش ليس تفصيلاً!*

ربما كانت أكثر الصور دلالة في ما حصل أن وزير الدفاع أراد أن يعرض موقف المؤسسة العسكرية في ملف يمسّها مباشرة، فتحول حضور صوته إلى أزمة.
الجيش ليس حزباً،
وليس طائفة،
وليس فريقاً سياسياً.
وعندما يتحدث وزير الدفاع عن ملفات تتصل بأمن المؤسسة وتضحيات العسكريين، فهو لا يفترض أن يتحدث كخصم لأحد، بل كمسؤول في مؤسسة من مؤسسات الدولة.
كان يمكن أن تُحل المسألة بالحكمة:

*اسمعوا الوزير، ناقشوا كلامه، ثم اتخذوا القرار*

أما أن يتحول الاستماع إلى رأي الجيش إلى معركة سياسية، فهذه بحد ذاتها علامة تستحق التوقف عندها.
الدولة القوية لا تخاف من مؤسساتها، بل تستند إليها.

*ومن صمت ووافق مسؤول أيضاً*

المسؤولية ليست فقط على من اتخذ القرار.
بل أيضاً على من عرف واعترض ثم صمت، أو عرف ووافق لأن مصلحته السياسية اقتضت ذلك.
لا تقولوا غداً إنكم لم تعرفوا،
ولا تقولوا إنكم كنتم مضطرين،
ولا تختبئوا خلف عبارة «السياسة تفرض التسويات»..

*فالسياسة التي تُسقط العدالة ليست سياسة، والتسوية التي تُهين الضحية ليست تسوية، والوفاق الذي يُبنى على دم الأبرياء ليس وفاقاً*

قد تربحون تصويتاً، أو صفقة، أو تحالفاً، أو مقعداً،
لكنكم لا تستطيعون أن تربحوا التاريخ.

*لأن التاريخ لا يساوم…*

*دولة أم فوضى مقنّعة؟*

الدولة لا تنهار فقط عندما تعجز عن دفع الرواتب أو تأمين الكهرباء.
الدولة تبدأ بالانهيار عندما يفقد المواطن إيمانه بأن القانون يحميه.
وعندما يرى أن السياسي يستطيع أن يفتح ملفاً ويغلق آخر، ويعفو عن هذا ويستثني ذاك، يصبح القانون بالنسبة إليه مجرد نص جميل لا قوة له.
وحين يفقد الناس ثقتهم بالعدالة، يبدأون بالبحث عن عدالة أخرى.

**وهنا تبدأ الفوضى..**

الخطر ليس فقط أن يخرج مجرم من السجن،
الخطر أن يخرج المواطن من مفهوم الدولة،
والأخطر أن يشعر الضحية بأن قاتله كان أقوى منه حتى بعد موته…

لسنا ضد العفو
لسنا ضد المصالحة
لسنا ضد الحكومة
ولسنا ضد أي مكوّن لبناني..

نحن ضد أن تتحول الدولة إلى مساحة لتصفية الحسابات، أو تمرير الأجندات، أو توزيع العدالة وفق موازين القوى..
نريد دولة لا يكون فيها دم شهيد أغلى من دم شهيد آخر، ولا تكون فيها جريمة أخطر لأن مرتكبها من خصومنا، وأخف لأن مرتكبها من حلفائنا.
نريد دولة بمكيال واحد..

*مكيال اسمه القانون*

وفي زمن يظن فيه البعض أن كل شيء قابل للنسيان، لا بد من تذكيرهم:

*قد تستطيعون تمرير قانون، وقد تستطيعون تمرير صفقة، وقد تستطيعون تمرير عفو، وقد تستطيعون إسكات وزير…*

لكنكم لن تستطيعوا إسكات ذاكرة وطن.
فالضحايا لا يصوّتون،
والشهداء لا يدخلون قاعة المجلس،
والأمهات لا يملكن كتلًا نيابية،
لكن التاريخ يعرفهم جميعاً…

ويعرف أيضاً من باع دمهم، ومن ساوم عليه، ومن صمت، ومن وقف.
وفي النهاية، عندما تسقط كل الأقنعة، لن يبقى في دفتر الوطن سوى سؤال واحد:

*عندما كان لبنان يُختبر… من اختار الدولة، ومن اختار الكرسي؟*

وإذا كان البعض قد نسي، فليتذكروا جيداً أنه:

*إن لم تستحِ… فافعل ما شئت..*