محطات…
وقائع تاريخية

شهادات من ذاكرة المرحوم «أبو رضا الحاج» مع الإمام القائد السيد موسى الصدر

بقلم /
علي محمد رضا الحاج.

هناك محطات في التاريخ لا تحفظها الكتب وحدها، بل تحفظها ذاكرة الرجال الذين عاشوا تفاصيلها، ورافقوا أصحاب المشاريع الكبرى في لحظات التأسيس.
ومن ذاكرة والدي، المرحوم الحاج أبو رضا الحاج، الذي كان قريباً جداً من الإمام القائد السيد موسى الصدر، أروي بعض المحطات والوقائع التي عايشها معه، والتي تكشف جانباً مهماً من مرحلة تأسيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، والعمل الاجتماعي، ومشروع حركة المحرومين.
وقد كان الإمام الصدر يصف والدي قائلاً:

«أبو رضا الحاج… عميد المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى».

ولم يكن هذا اللقب مجرد تكريم، بل كان تعبيراً عن موقع الرجل في مرحلة التأسيس، وعن الثقة التي وضعها الإمام الصدر به.
محطة شراء الأرض في الوردانية
من المحطات المهمة في تلك المرحلة، شراء الأرض في الوردانية تمهيداً لبناء الجامعة الإسلامية.
كانت الفكرة أكبر من مجرد شراء عقار أو بناء مؤسسة تعليمية؛ فقد كان الإمام الصدر ينظر إلى التعليم باعتباره أحد أهم أبواب النهوض بالمجتمع، وإلى الجامعة باعتبارها مشروعاً علمياً وثقافياً يفتح أمام أبناء الطائفة والوطن أبواب المعرفة والمشاركة.
وكان والدي من الرجال الذين واكبوا هذه المشاريع وساهموا في مراحلها الأولى.
محطة «مشروع الليرة»…
من منزل الحاج مرتضى حمود في شوكين
ومن أكثر المحطات التي بقيت حاضرة في الذاكرة مشروع الليرة للتكافل الاجتماعي.
وُضعت أسس هذا المشروع في منزل الحاج مرتضى حمود في بلدة شوكين، بحضور الإمام القائد السيد موسى الصدر ووالدي المرحوم الحاج أبو رضا الحاج.
كانت الفكرة بسيطة في شكلها، عميقة في مضمونها:
أن يساهم كل إنسان بليرة، لتتحول مساهمات الناس الصغيرة إلى شبكة أمان اجتماعية تحمي المحتاج وتصون كرامته.
كان الإمام الصدر يؤمن أن المجتمع القوي هو المجتمع المتكافل، وأن مواجهة الحرمان لا تكون بالخطب والشعارات، بل بتحويل التكافل إلى مؤسسات ومشاريع عملية.
ومن هنا نفهم أن «مشروع الليرة» لم يكن مجرد مبادرة مالية، بل كان جزءاً من فلسفة اجتماعية متكاملة أراد الإمام الصدر أن يبني عليها مجتمعاً أكثر عدلاً وتضامناً.
جمعية الإنعاش…
حين تتحول الفكرة إلى مؤسسة
ومن المحطات التي يجب ألا تُنسى أيضاً، أن والدي المرحوم الحاج أبو رضا الحاج، والشيخ المرحوم محمد عياد، أسسا جمعية الإنعاش في بيروت.
وكانت الجمعية نموذجاً مبكراً للعمل الاجتماعي الأهلي، وقد أثمرت عن مشاريع مهمة، من بينها شراء مدرسة السريان في خندق الغميق، وبناء مسجد الإمام علي عليه السلام، وحسينية، ومكتبة عامة.
هذه المشاريع لم تكن مجرد أبنية.
كانت محاولة لبناء مجتمع متكامل:
مدرسة للتعليم، مسجد للعبادة، حسينية للثقافة والتواصل، ومكتبة للمعرفة.
وعندما جاء الإمام الصدر وأسّس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، انحلت الجمعية، وأصبح القائمون عليها جزءاً من مشروع المجلس، لتنتقل الجهود من العمل الأهلي إلى مؤسسة وطنية أوسع وأكثر قدرة على التنظيم والعمل.
جولات الإمام الصدر…
مشروع تأسيس «حركة المحرومين»
وكان والدي يرافق الإمام القائد في جولاته ولقاءاته، في مرحلة كان فيها الإمام الصدر يعمل على تأسيس مشروع حركة المحرومين.
لم تكن تلك الجولات مجرد زيارات اجتماعية.
كان الإمام الصدر يذهب إلى الناس، يستمع إلى شكاواهم، يتعرف إلى واقعهم، ويرى بأم عينه الحرمان الذي تعيشه مناطق واسعة من لبنان.
كان يريد أن يحول صوت المحرومين من صرخة في الأطراف إلى قضية وطنية على مستوى الدولة.
وكان يؤمن أن المحروم لا يريد الشفقة، وإنما يريد:
الحق والكرامة والإنصاف والمشاركة.
ولذلك لم يحصر الإمام الصدر قضية الحرمان في منطقة أو طائفة.
كان يرى المحرومين في الجنوب، وفي عكار وإقليم الخروب وبلاد جبيل وكسروان، وفي كل منطقة لبنانية تحتاج إلى الإنصاف والتنمية والعدالة الاجتماعية.
من الجنوب إلى جبيل وكسروان…
لبنان الذي أراده الإمام
ومن ذكريات والدي أيضاً مرافقته الإمام الصدر، إلى جانب القاضي حسن الحاج، عضو الهيئة التنفيذية في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، في جولات شملت جبيل وكسروان.
كانت جولات مختلفة عن الزيارات التقليدية.
فالإمام كان يلتقي الفعاليات الاجتماعية والفكرية والروحية، والرهبان والراهبات، ويتحدث مع الجميع.
كان يريد أن يقول بالفعل قبل القول:
«نحن جزء من هذا الوطن، وهم جزء منا».
وفي إحدى تلك اللقاءات، قالت إحدى الراهبات، وهي تتحدث بفرح كبير بعدما شاهدت الإمام الصدر عن قرب:
«لمست وشعرت من هذا الإمام صورة من صور السيد المسيح».
إنها عبارة تختصر الكثير من شخصية الإمام.
فالإمام الصدر لم يكن يطلب من المسيحي أن يصبح أقل مسيحية، ولا من المسلم أن يكون أقل إسلاماً.
بل كان يريد مسلماً يعتز بإسلامه، ومسيحياً يعتز بمسيحيته، ويلتقي الاثنان على مساحة الوطن والإنسان.
وهذه كانت إحدى أعظم أفكار الإمام الصدر في بناء لبنان.
وصية الإمام…
«نحن جزء منهم وهم جزء منا»
ولعل من أجمل ما نقله والدي عن الإمام الصدر، وصيته له بأن يبقى منفتحاً على أبناء إقليم الخروب وعكار وبلاد جبيل وكسروان.
وكان الإمام يقول:
«نحن جزء منهم وهم جزء منا».
هذه العبارة تختصر مدرسة كاملة في الوطنية.
فالإمام الصدر لم يكن يريد أن يعيش أبناء الطائفة الشيعية في جزر منفصلة عن محيطهم، بل أرادهم جزءاً أصيلاً من مجتمعهم، شركاء في أفراحه وأحزانه، وفي نهضته ومستقبله.
ولهذا كان انفتاحه على مختلف المناطق والطوائف والفعاليات اللبنانية جزءاً أساسياً من مشروعه الوطني.
كميل شمعون والإمام الصدر…
«يا أبو رضا… انتبهولو»
ومن الوقائع التي بقيت في ذاكرة والدي أيضاً اللقاء الذي جمعه بالرئيس السابق كميل شمعون والإمام الصدر.
كان الرئيس كميل شمعون قد طلب من والدي ترتيب لقاء مع الإمام الصدر.
وعندما علم الإمام بالأمر، سأل:
«اللقاء فوراً، وبأي وقت يشاء».
وحصل اللقاء بالفعل، واستمر قرابة ثلاث ساعات.
وبعد اللقاء، قال الرئيس كميل شمعون لوالدي، موصياً بالإمام الصدر، وبالعبارة التي نقلها والدي حرفياً:

«يا أبو رضا… واردو رنو مافي منو، انتبهولو».

أي أن هذا الرجل ليس عادياً، وأنه شخصية استثنائية تستحق الانتباه والتقدير.
وقد تبدو العبارة بسيطة، لكنها تحمل دلالة مهمة: أن شخصية الإمام الصدر وحضوره كانا قادرين على ترك أثرهما لدى شخصيات سياسية تنتمي إلى بيئات ومواقع مختلفة.
ذاكرة رجل… ومرحلة وطن
حين نستعيد اليوم هذه المحطات، فإننا لا نستعيد ذكريات عائلية فحسب.
إننا نستعيد مرحلة تأسيسية من تاريخ لبنان الحديث، ومرحلة كان فيها الإمام السيد موسى الصدر يعمل على بناء الإنسان والمؤسسة والمجتمع في آن واحد.
جامعة…
جمعية…
مسجد…
حسينية…
مكتبة…
مشروع للتكافل…
حركة للمحرومين…
ومجلس إسلامي شيعي أعلى…
كلها كانت حلقات في مشروع واحد:
بناء الإنسان، وصون الكرامة، ومواجهة الحرمان، وترسيخ الحضور الوطني، وفتح جسور التواصل بين اللبنانيين.
وهذا هو الجانب الذي ينبغي أن نتذكره دائماً من سيرة الإمام الصدر.
فهو لم يكن رجل شعارات…
كان رجل مؤسسات.
ولم يكن يبحث عن عزل الناس داخل طوائفهم…
كان يبحث عن جمعهم حول وطنهم.
ولم يكن يرى في الاختلاف الديني سبباً للخصومة…
كان يراه فرصة للتكامل والتعارف والمحبة.
شهادة يجب أن تحفظها الأجيال
هذه الوقائع التي أرويها عن والدي المرحوم الحاج أبو رضا الحاج ليست مجرد صفحات من الماضي.
إنها شهادة من رجل كان قريباً من الإمام الصدر، ورافقه في محطات من مسيرته، وشارك في مشاريع اجتماعية ومؤسساتية تأسيسية.
وهي شهادة تقول لنا إن الإمام الصدر ترك وراءه أكثر من خطاب وأكثر من موقف.
ترك منهجاً.
ومن أجمل ما يمكن أن نتعلمه من هذا المنهج اليوم أن الوطن لا يُبنى بإلغاء الآخر، بل بالشراكة معه.
وأن الطائفة لا تقوى بالانغلاق، بل بالانفتاح.
وأن الدين يصبح أكثر حضوراً عندما يتحول إلى رحمة وخدمة للإنسان.
وأن لبنان لا يستطيع أن يعيش إلا إذا بقي أبناؤه، بكل طوائفهم ومناطقهم، كما قال الإمام الصدر:
«نحن جزء منهم… وهم جزء منا».
رحم الله كل المحبين المخلصين الذين عرفوا الإمام القائد السيد موسى الصدر، ورحم الله الرجال الذين رافقوه وحملوا معه أمانة تلك المرحلة، التي لم تكن مجرد مرحلة وانتهت، بل مسيرة مستمرة.
أما الإمام الصدر، فمشروعه لا يزال حياً، ومسيرته مستمرة، بوعي الناس وإرادتهم، وبالمؤمنين بهذا النهج الوطني والإنساني، وبالمسيرة الشعبية الواعية خلف قيادة الأستاذ الأمين المؤتمن دولة الرئيس نبيه بري والمخلصين من حوله.
إنها مسيرة لا تختزل بشخص، ولا تتوقف عند زمن، لأنها قامت على فكرة أكبر:
لبنان وطن للمحبة، ولبنان وطن للشراكة الوطنية، ولبنان وطن لإنسانية الإنسان.
وتبقى الذاكرة أمانة…
لأن بعض الوقائع، إذا لم تُروَ، قد تموت مع أصحابها.
أما الإمام الصدر، فسيبقى حاضراً في ذاكرة لبنان، ما دام فيه إنسان يؤمن بأن:
المحبة أقوى من الطائفة،
والوطن أكبر من الانقسام،
وكرامة الإنسان فوق كل اعتبار.
فلبنان كان وسيظل، بإذن الله، وطناً للمحبة، وللشراكة الوطنية، ولإنسانية الإنسان.
علي محد رضا الحاج