َمْ يا بلدي… لقد عوّدوك على الشحادة
بقلم الدكتورة الإعلامية ريما شرف الدين
صباح الخير يا لبنان…
تابعت جلسة مجلس النواب، وكنت أنتظر لحظة واحدة.
كنت أتوقع من الرئيس نبيه بري أن يرفع المطرقة ويقول: كفى.
كنت أتوقع أن يعلن رفع الجلسة، وأن يصرخ في وجه هذا الواقع: كفى كلامًا والناس تختنق. كفى خطابات والمواطن لم يعد يعرف كيف يؤمّن خبزه وبنزينه ودواءه وقسط أولاده.
كنت أتوقع موقفًا يهزّ البلد، موقفًا يقول لكل شريف ووطني: تحرّكوا، ارفعوا أصواتكم، طالبوا بحقوقكم، وحاسبوا هذه الحكومة سياسيًا ودستوريًا.
لكن ذلك لم يحصل.
فقلت كلمة واحدة:
نَمْ يا بلدي… نَمْ.
لأنني وأنا أستمع إلى بعض الكلام تحت قبة البرلمان، تخيّلت للحظة أنني أستمع إلى نواب لا يعيشون معنا في البلد نفسه.
هل تعرفون ماذا يعني أن يكون لرجل أربعة أو خمسة أولاد؟
هل تعرفون ماذا يعني أن يستيقظ الأب صباحًا ويفكر: ماذا سأطعمهم اليوم؟
الخبز يغلو، البنزين يغلو، النقل يغلو، الكهرباء تنهش الراتب، المدارس أقساط، والدواء قصة أخرى…
والراتب؟ يموت قبل منتصف الشهر.
لكن الكارثة ليست فقط في الغلاء.
الكارثة الأكبر أن سياسة الدولة والحكومات المتعاقبة عوّدت اللبناني على الشحادة بدل أن تعوّده على حقوقه.
نعم، عوّدوا اللبناني على الشحادة.
عوّدوه أن يطرق باب الزعيم ليحصل على دوائه.
باب النائب ليسدّد قسط ابنه.
باب الحزب ليحصل على وظيفة.
وباب السياسي ليؤمّن استشفاءه أو مساعدة أو حصة غذائية.
حوّلوا المواطن من صاحب حق إلى طالب مساعدة.
بدل أن تعطيه الدولة حقه، جعلته ينتظر مكرمة.
وبدل أن يعيش من عمله وكرامته، جعلوه يحتاج إلى واسطة حتى في أبسط تفاصيل حياته.
والأخطر أن بعض السياسيين يستفيدون من هذه الحلقة: يبقى المواطن محتاجًا، ثم تأتي المساعدة من باب السياسة، فيتحول الحق إلى مِنّة والمِنّة إلى ولاء.
هذه ليست دولة رعاية… هذه دولة جعلت المواطن يطلب حقه وكأنه صدقة.
وهنا أسأل الشعب اللبناني أيضًا:
إلى متى؟
إلى متى نبقى نائمين؟
إلى متى لا نتحرك إلا عندما يطلب منا زعيم أن نتحرك؟
إذا قال الحزب: انزلوا، ننزل.
وإذا قال: عودوا، نعود.
لكن متى ينزل اللبناني لأنه جائع؟
متى ينزل لأنه أب؟
متى تنزل الأم لأنها خائفة على مستقبل أولادها؟
متى ينزل الموظف لأن راتبه لم يعد يكفيه أيامًا؟
متى نتحرك كمواطنين، لا كجماهير حزبية؟
في دول أخرى، يكفي أن تمسّ السلطة بأساسيات معيشة الناس حتى يرتفع صوت المجتمع والنقابات والشارع.
أما نحن، فصرنا نتأقلم مع المصيبة.
يغلو الخبز؟ نتأقلم.
يغلو البنزين؟ نتأقلم.
ترتفع الأقساط؟ نتأقلم.
يصبح الدواء عبئًا؟ نتأقلم.
إلى أين سنصل بهذا التأقلم؟
والأخطر أنهم عوّدونا على أن نسأل:
«مين بيدبّرلي؟»
بدل أن نقف ونقول:
«وين حقي؟»
لا تشحدوا حقوقكم من سياسي.
الخبز ليس مِنّة.
الدواء ليس مِنّة.
التعليم ليس مِنّة.
الاستشفاء ليس مِنّة.
والعيش بكرامة ليس مِنّة من أحد.
هذه حقوق شعب.
ولذلك، المشكلة اليوم ليست حكومة فقط.
المشكلة في نظام سياسي عرف على مدى سنوات كيف يربط حاجات المواطن بالزعيم والطائفة والحزب والواسطة.
والمشكلة أيضًا في شعب يجب أن يستعيد دوره كمواطن يحاسب، ويسأل، ويرفض، بدل أن ينتظر إشارة السياسي.
وأعود إلى المطرقة التي انتظرت أن ترتفع تحت قبة البرلمان…
كنت أتمنى أن ترتفع لتعلن موقفًا بحجم وجع الناس.
لكنها لم ترتفع كما تخيّلت.
فقلت:
نَمْ يا بلدي…
نَمْ، ما دام الفقير يحسب أرغفة أولاده والسياسي يحسب أصوات ناخبيه.
نَمْ، ما دمنا نثور للزعيم أكثر مما نرفع صوتنا من أجل حقوقنا.
نَمْ، ما دام المواطن يطرق باب السياسي ليشكره غدًا على حق كان يجب أن يحصل عليه من دولته مرفوع الرأس.
لكن عندما تستيقظ يا لبنان…
لا تستيقظ لتطلب صدقة من سياسي.
استيقظ لتقول له:
أنا مواطن… وهذا حقي
Sky News Lebanon
