
الجنوب يحترق… والمقاومة وحدها في الميدان والدولة تدير ظهرها
بقلم الدكتورة الإعلامية ريما شرف الدين
رئيسة تحرير «سكاي نيوز لبنان»
منذ الأمس وحتى اليوم، لا يكاد دخان حريق ينقشع عن قرية جنوبية حتى تشتعل النار في قرية أخرى. قصف وغارات وحرائق تلتهم الأحراج والحقول، وأهالٍ يعيشون يوميًا بين الخوف والنزوح وانتظار الأسوأ.
ما يجري في الجنوب ليس حادثًا عابرًا، ولا مجرد ردّ محدود كما تدّعي إسرائيل. نحن أمام سياسة واضحة لاستنزاف الأرض والناس معًا: إحراق المواسم، ضرب مقومات الحياة، ترهيب الأهالي ودفعهم إلى مغادرة قراهم، تمهيدًا لتحويل المنطقة الحدودية إلى أرض محروقة وخالية من سكانها.
أمام هذا المشهد، نقولها من دون خوف أو مواربة: اتركوا المقاومة تدافع عن أرضها وتحرر ما تبقّى محتلًا منها. فعندما تعجز الدولة عن حماية حدودها، وعندما يقف الجيش اللبناني مكبّلًا بالإمكانات والقرار السياسي، تصبح المقاومة حقًا مشروعًا في مواجهة الاحتلال والعدوان.
ونحن ما زلنا نؤمن بالمعادلة الذهبية: جيش، شعب، مقاومة. ليست شعارًا للاستهلاك السياسي، بل معادلة وُلدت من أرض الجنوب ومن دماء الشهداء، لأن الجيش يحتاج إلى قرار وسلاح، والشعب يحتاج إلى حماية، والمقاومة وُجدت عندما غابت الدولة عن واجبها.
لكن المؤلم أن رئيس الجمهورية لا يقف في ظهر المقاومة، والحكومة تتصرف وكأن ما يجري في الجنوب لا يعنيها. فأين الدولة من أرضٍ تحترق؟ وأين الرئاسة من شعب يعيش تحت القصف؟ وأين الحكومة من عائلات تنام على صوت المسيّرات والانفجارات؟
لا يمكن لرئيس الجمهورية أن يتحدث عن السيادة، ثم يترك الجنوب مكشوفًا أمام الاعتداءات. ولا يمكن للحكومة أن تطالب بحصر السلاح فيما هي عاجزة عن حصر الاعتداء الإسرائيلي، أو حماية الحدود، أو استعادة الأرض المحتلة، أو حتى إطفاء النيران التي تلتهم أرزاق الناس.
أما الأخطر فهو هذا الانفصال المرعب داخل الوطن الواحد: الجنوب يُقصف ويحترق، وأهله يعيشون الرعب، فيما تبدو الحياة طبيعية في مناطق لبنانية أخرى، وكأن النار تقع في بلد بعيد. المطاعم ممتلئة، السهرات مستمرة، والاحتفالات قائمة، بينما هناك أم في الجنوب تجمع أولادها بعيدًا عن النوافذ، وفلاح يشاهد موسمه يحترق، وعائلة تسأل إن كانت ستبقى في منزلها حتى الصباح.
لسنا ضد أن يعيش اللبنانيون حياتهم، ولكننا ضد أن يصبح وجع الجنوب خبرًا عاديًا لا يوقظ ضمير أحد. إذا احترق جزء من لبنان، فعلى كل لبنان أن يشعر بالنار. وإذا استُهدفت قرية جنوبية، فالمستهدف هو الوطن كله، لا طائفة ولا حزب ولا منطقة بعينها.
المقاومة ليست عدو لبنان. العدو هو من يحتل الأرض، وينتهك الأجواء، ويقصف القرى، ويغتال ويُحرق ويهجّر. ومن يريد مناقشة سلاح المقاومة، عليه أولًا أن يجيب: من يحمي الجنوب؟ من يمنع الاعتداء؟ من يستعيد الأرض؟ وما البديل الحقيقي القادر على ردع إسرائيل؟
أنا لا أقول إن اللبنانيين جميعًا يجب أن يحملوا السلاح، بل إن عليهم أن يحملوا مسؤولية الوطن. لا يجوز أن يموت الجنوب فيما بقية لبنان تكتفي بالمشاهدة. الجنوب ليس خاصرة زائدة، وليس صندوق بريد، وليس ورقة تفاوض بين إيران وإسرائيل أو بين واشنطن وطهران. الجنوب هو لبنان، ومن يتخلّى عنه يتخلّى عن لبنان كله.
أنا ريما شرف الدين، ابنة الجنوب، أقولها بصوت واضح: نحن لا نطلب حربًا، ولا نريد أن يسقط المزيد من الشهداء، لكننا لن نقبل أن يتحول السلام إلى استسلام، ولا أن يصبح الصمت شراكة في العدوان.
دعوا المقاومة تحمي أرضها، ادعموا الجيش بدل تقييده، وقفوا جميعًا خلف الشعب. هذه هي المعادلة الذهبية: جيش، شعب، مقاومة. ومن يريد إسقاطها، فليقدّم للبنانيين أولًا دولة قادرة على حماية كل حبة تراب.
الجنوب اليوم لا يحتاج إلى بيانات باردة، بل إلى وطن كامل يقف معه؛ لأن لبنان الذي لا يتألّم لاحتراق جنوبه، هو وطن يفقد روحه قبل أن يفقد أرضه
Sky News Lebanon