
من رئيسة تحرير Sky News Lebanon – د. ريما شرف الدين
في الجنوب… لا تُدفن البيوت وحدها، بل يُختبر ضمير الوطن
في الجنوب، لم يعد الدمار مجرد مشهدٍ عابر، ولم تعد الحرب خبرًا في شريطٍ عاجل. هناك، كل بيتٍ يُهدم يحمل ذاكرة عائلة، وكل حجرٍ يسقط يروي حكاية أرضٍ رفض أهلها مغادرتها رغم النار.
من يقرأ تاريخ الصراع يدرك أن الجنوب كان، على امتداد العقود، في قلب المواجهة، وأن المدنيين كانوا مرارًا أول من دفع الثمن. واليوم، تتكرر المشاهد ذاتها؛ قرى مدمرة، منازل سُوِّيت بالأرض، ومدارس طالها القصف، فيما تقف العائلات بين النزوح والخوف والفقد، تنتظر وطنًا يحميها قبل أن يرثيها.
ولم يتوقف العدوان عند حدود البيوت والطرقات والبنى التحتية، بل امتد إلى أكثر الأماكن قداسةً في وجدان المجتمع: المدارس. فحين تُستهدف مؤسسة تربوية، وآخرها مدرسة المهدي، لا يكون المستهدف جدرانًا أو صفوفًا دراسية فحسب، بل مستقبل جيلٍ كامل، وحق الأطفال في التعلّم والأمان. إن قصف مدرسة هو اعتداء على العلم قبل الحجر، وعلى الأمل قبل البناء، ورسالةٌ بأن الحرب تحاول أن تسرق من الأطفال حقهم في الغد، بعدما سرقت من عائلاتهم طمأنينة اليوم.
المأساة ليست في حجم الدمار فقط، بل في شعور الناس بأنهم تُركوا وحدهم. فلا يكفي أن تُصدر الدولة بيانات، فيما الأرض تنزف، ولا تكفي الدبلوماسية عندما يعجز المواطن عن الشعور بالأمان في منزله.
إن حماية اللبنانيين ليست شعارًا، بل مسؤولية الدولة الأولى. وهي تبدأ بحماية المدنيين، ودعم المؤسسات الوطنية، وتعزيز قدرات الجيش اللبناني ليؤدي دوره الكامل في الدفاع عن البلاد، والعمل الجاد على وقف دورة الدمار وإعادة إعمار ما تهدّم.
كل شاب من المقاومة يستشهد في هذه الحرب هو ابنٌ لعائلة، وزوجٌ تنتظره زوجته، أو أبٌ يحلم أطفاله بعودته. وكل مدني يفقد حياته هو خسارة للبنان كله، لا لمنطقة واحدة ولا لفئة واحدة.
لن يرحم التاريخ من وقف متفرجًا فيما كانت القرى تُمحى من الخريطة، ولن يسأل من ألقى أكثر الخطب، بل من تحمّل مسؤوليته عندما كان الوطن يناديه.
في الجنوب، لا تُقاس الخسائر بعدد الأبنية التي سقطت، بل بعدد الأحلام التي انهارت معها. هناك أمهات ينتظرن أبناءً لن يعودوا، وأطفالًا يفتقدون دفء آبائهم، وعائلاتٌ تبحث بين الركام عن بقايا حياة كانت بالأمس تنبض بالأمل.
قد يعتاد العالم على رؤية صور الدمار، لكن الأخطر أن يعتاد الوطن نفسه عليها. فحين يصبح الركام مشهدًا مألوفًا، والشهداء أرقامًا، والمدارس أهدافًا، والصمت سياسة، نكون قد خسرنا أكثر من الحجر… نكون قد خسرنا جزءًا من ضميرنا الوطني.
فالجنوب لا يطلب الشفقة، ولا يبحث عن كلمات التعاطف. الجنوب يطالب بدولةٍ تحمي أبناءها، وتحفظ كرامتهم، وتثبت أن دم اللبناني، أيًّا كان انتماؤه أو منطقته، ليس تفصيلًا في حسابات السياسة، بل أمانة في أعناق من يتولّون مسؤولية هذا الوطن.
#المعادلة_الذهبية ليست كلماتٍ تُقال، بل عقيدةُ وطنٍ تتجسد حين تتكامل إرادة الشعب، وصلابة الجيش، وخيار المقاومة، دفاعًا عن الأرض والكرامة، وحمايةً للإنسان، وصونًا للمدرسة والبيت، لأن الأوطان التي تحمي أبناءها هي وحدها التي تنتصر
Sky News Lebanon