الجنوب يحترق… ورئيس الجمهورية ورئيس الحكومة في غيبوبة السلطة
بكل صراحة، وبلا تدوير للزوايا ولا تجميل للواقع، أكتب اليوم من موقع الإعلامية التي نزلت إلى الجنوب، رأت وسمعت، ولم تكتفِ بمراقبة المشهد من خلف الشاشة.
ما يجري في الجنوب ليس خبرًا عابرًا، وليس مشهدًا سياسيًا نعلّق عليه ثم ننتقل إلى خبر آخر.
هناك أهل يُهجَّرون، بيوت تُدمَّر، قرى تُقصف، وحياة كاملة تُدفع نحو المجهول.
وأمام هذا المشهد أسأل بكل وضوح: أين رئيس الجمهورية؟ وأين رئيس الحكومة؟
أين الدولة؟
أين التحرك السياسي والدبلوماسي؟
أين الاتصالات الدولية والاجتماعات الطارئة؟
أين محاولة حماية المدنيين ووقف هذا النزيف؟
هل أصبحت مهمة السلطة أن تجلس خلف المكاتب وتصدر البيانات بينما الجنوب يحترق؟
بكل قسوة أقولها: عندما تصمت الدولة أمام احتراق جزء من أرضها، تتحول من دولة حامية لشعبها إلى دولة متفرجة على وجعه.
والمشهد اليوم يجعلني أقول إن السلطة تتصرف وكأنها عمياء عن الجنوب، خرساء أمام العالم، وصمّاء عن صرخات أهله.
فلنتذكر لبنان في محطات سابقة.
في حرب تموز 2006، كان هناك تحرك واتصالات وضغوط وجولات سياسية ومحاولات لوقف الحرب وحماية اللبنانيين.
اليوم، وأنا أرى الجنوب بهذا المشهد، أسأل: أين اختفت الدولة؟ وأين اختفى ذلك الحضور؟
أنا لا أطلب معجزة.
أنا أطلب دولة.
أطلب موقفًا.
أطلب مسؤولين يعرفون أن الجنوب ليس هامشًا على خريطة لبنان، وأن ابن الجنوب مواطن لبناني كامل الحقوق والكرامة، مثل أي مواطن في بيروت أو الجبل أو الشمال أو البقاع.
وأنا لا أتحدث عن الجنوب من خلف مكتب.
أنا ذهبت إلى الجنوب. رأيت وسمعت. رأيت الخوف والدمار، وشاهدت بأم العين ماذا يعني أن يعيش الإنسان تحت القصف، وأن يصبح بيته وأمنه ومستقبله مهددين في كل لحظة.
لذلك لا أحد يطلب مني الصمت.
أنا بنت الجنوب.
والجنوب بالنسبة إليّ ليس عنوانًا سياسيًا ولا ورقة انتخابية ولا مادة إعلامية.
الجنوب هو أهل وبيوت وذكريات وكرامة وهوية.
والمشكلة اليوم ليست فقط في القصف.
المشكلة أن يشعر ابن الجنوب أنه متروك وحيدًا.
أن يشعر أن دولته لا تراه، ولا تسمعه، ولا تتحرك من أجله.
وفي المقابل، شعب أنهكه الفقر والانهيار والخوف والحروب، يُطلب منه أن يصبر أكثر، وأن يتحمل أكثر، وأن يسكت أكثر.
لا. كفى.
الدولة ليست كرسيًا.
الدولة مسؤولية.
ومن يجلس على كرسي رئاسة الجمهورية أو رئاسة الحكومة لا يجلس ليتفرج على شعبه، بل ليحميه ويتحرك من أجله ويواجه ويُحاسَب.
وإذا كانت السلطة عاجزة عن حماية أهل الجنوب سياسيًا ودبلوماسيًا وإنسانيًا، فلتخرج وتقول للبنانيين بكل شجاعة: نحن عاجزون.
أما أن يحترق الجنوب، ونسمع الصمت الرسمي، ثم يُطلب منا أن نصدق أن كل شيء تحت السيطرة، فهذا استهزاء بوجع الناس وعقولهم.
وأقولها باسمي، وبكل وضوح:
لا أريد رئيسًا أعمى عن الجنوب، ولا رئيس حكومة أصمّ عن صرخات أهله، ولا سلطة خرساء عندما يكون المطلوب منها أن تتكلم.
نريد دولة ترى.
دولة تسمع.
دولة تتحرك.
دولة تحمي.
ودولة تحاسب كل من قصّر بحق اللبنانيين.
أما الجنوب، فلا تطلبوا منه أن ينسى.
فالجنوب لا ينسى من وقف إلى جانبه، ولا ينسى من تركه وحيدًا عندما كان يحترق.
والتاريخ لا يحاسب الشعارات… التاريخ يحاسب المواقف.
وأنا، كإعلامية وكابنة للجنوب، لن أساوم على الحقيقة، ولن أجمّل الصمت، ولن أضع الكلمات الدبلوماسية فوق وجع الناس.
فالجنوب عندما يحترق، لا يكون السؤال أين نحن من السياسة… بل أين نحن من الوطن
Sky News Lebanon
